على مدار أسبوع كامل تقريبا أتيح لنا أن نلتقي في الجزائر عاصمة الثقافة العربية لهذا العام وان نتناقش حول موضوعات عديدة. وكان ذلك بمناسبة انعقاد الملتقى الدولي الأول للكتاب العرب في المهجر. وهو أول مؤتمر من نوعه في العالم العربي. وتشكر الجزائر على أنها كانت السباقة إليه من بين كل الدول العربية.
وقد أشرفت على تنظيمه المكتبة الوطنية الجزائرية برئاسة أمينها العام المثقف الشاب الدكتور أمين الزاوي بالتعاون مع المركز العربي للأدب الجغرافي، ارتياد الآفاق، الذي يرعاه بكل أريحية وشهامة وغيرة على الثقافة العربية الأستاذ محمد احمد السويدي من الامارات العربية المتحدة. وقد مثله مباشرة الشاعر السوري نوري الجراح الذي لم يبخل على المؤتمر بكل ما يملكه من إخلاص ومعرفة وحماسة قل نظيرها.
وقد شارك في المؤتمر العديد من المثقفين العرب الذين قدموا من مختلف أصقاع الأرض أو من مختلف المنافي والمهاجر في أوروبا وأميركا هذا بالإضافة إلى مثقفي الداخل من الجزائر وسواها. وكانت مناسبة جميلة لكي نلتقي جميعا على أرض الجزائر الخالدة، لكي نتعارف على بعضنا البعض على الأقل ولكي يحتدم النقاش ويعلو الصراخ أحيانا حول موضوعات محرمة ومحللة..
ولم نشعر في أي لحظة من اللحظات بأننا مراقبون أو مقيدون في حركتنا ونقاشنا والتعبير الحر عن آرائنا. وهذا يعني أن الجزائر ابتدأت تعيش المرحلة الديمقراطية التعددية من تاريخها وان كان الطريق لا يزال طويلا أمامها لكي تنضج هذه التجربة وترسخها أكثر فأكثر. ولكنها تبقى مع ذلك أفضل من غيرها بالقياس إلى العديد من دول العالم العربي أو الإسلامي.
مهما يكن من أمر فقد أحسن الدكتور أمين الزاوي صنعا وكذلك الشاعر نوري الجراح عندما وضعا الامور ضمن نصابها حيث وضعا المؤتمر ضمن إطاره التاريخي العام منذ البداية. فقد تحدثا عن الهجرة الأولى والهجرة الثانية للكتاب العرب: أي هجرة جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة والرابطة القلمية والعصبة الأندلسية الخ..
وقد حصلت هذه الهجرة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين وأدت إلى إنتاج أعمال أدبية كبرى ليس أقلها الغربال لميخائيل نعيمة الذي كتب عام 1927 ولا يزال صامدا يتحدى الزمن. وهو في رأيي من أجمل ما كتب في النقد الأدبي العربي ولا تزال أفكاره وتوجيهاته للكتاب العرب صالحة حتى الآن. وهناك بالطبع مؤلفات جبران الذي لو لم يكتب إلا قصيدة المواكب التي تغنيها سيدة الغناء العربي فيروز لخلد اسمه على الدهر..
فما بالك بكتاباته الأخرى؟ وما بالك بكتابات أمين الريحاني وايليا أبي ماضي والياس فرحات ونسيب عريضة وفوزي المعلوف وعشرات الشعراء والكتاب الآخرين الذين جددوا أدبنا العربي في المنعطف الفاصل بين القرنين التاسع عشر والعشرين؟ من لا يذكر أشعار المهجريين الأوائل؟ من لا يذوب حنينا وهو يقرؤها؟ لقد عشنا عليها ردحا من الدهر.
وأما الهجرة الثانية فهي هجرتنا نحن: أي الكتاب العرب الذين غادروا أوطانهم في الثلث الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين. وبالتالي فتفصل بين الهجرتين مسافة مائة عام بالضبط. والسؤال المطروح هنا هو التالي: هل أنتجنا أعمالا إبداعية أو روائع أدبية تعادل تلك التي أنتجها ميخائيل نعيمة مثلا أو جبران خليل جبران أو غيرهما من تلك الكوكبة اللامعة من أعضاء الرابطة القلمية والعصبة الاندلسية؟
من يستطيع أن يجيب على هذا السؤال بالإيجاب؟ من يتجرأ على ذلك؟ أعترف شخصيا بان هذا ما يحز في نفسي أكثر من أي شئ آخر. فنحن هاجرنا مثلهم هربا من القمع الفكري والتعصب الديني والاستبداد السياسي والحروب الاهلية والمجازر والكوارث التي تعصف الآن بالعراق الجريح وغير العراق. من هنا هيمنة الكتاب العراقيين على المؤتمر من حيث العدد على الاقل. وهي هيمنة مباركة وليس عندي أي اعتراض عليها.
لقد هاجرنا أو قل بقينا في المهاجر ولم نعد لكي نتنفس بحرية ونكتب ونترجم ما نشاء. فاذا كانت هجرتنا قد عجزت عن توليد أعمال فكرية وأدبية كبرى كتلك التي أبدعها أسلافنا العظام فهذا يعني أنها ذهبت هباء منثورا.هذا يعني أنها كانت مجانية ولم نعرف كيف نستغل جو الحرية المتوافر في الخارج لكي نقدم لشعوبنا في الداخل الاضاءات الضرورية..
على هذا الأساس سوف نحاسب غدا من قبل الأجيال المقبلة مثلما نحاسب نحن الآن جيل جبران وميخائيل نعيمة... قد يكون في كلامي هذا بعض الظلم لكتاب الهجرة الثانية. فهم قد أنتجوا أشياء لا يستهان بها في باريس ولندن وروما وبرلين وأمستردام وبروكسيل و نيو يورك وغيرها من عواصم التفرق والشتات. ولكننا لا نملك المسافة الزمنية الكافية للحكم على هذه الأعمال. يلزمنا وقت طويل قبل أن نستطيع الحكم عليها سلبا أو إيجابا. فللننتظر إذن قليلا قبل أن نطلق الحكم الأخير.
تبقى هناك مسألة أساسية أثارها الدكتور أمين الزاوي الذي أدهشنا بسعة اطلاعه وقوة شخصيته و كياسته وعمق تفكيره. فقد أثار مشكلة اللغة في المهجر وطرح علينا، نحن الكتاب المهاجرين، هذا السؤال: لماذا لم تكتبوا بلغة المهاجر، أي الانجليزية أو الفرنسية أو سواهما من اجل الإبداع ثم من اجل التأثير على الوعي الغربي لكي يتفهم قضايانا بشكل أفضل؟ أعترف بان هذا السؤال الوجيه أحرجني وفاجأني بل وربما أغاظني قليلا في ذات الوقت.
فاذا كان الأمر كذلك فاني استطيع أن أقول فورا بان كتاب المهجر الثاني وصلوا إلى مستوى كتاب المهجر الأول وربما تفوقوا عليهم فيما يخص بعض النقاط. فادوار سعيد في أميركا ومحمد اركون في أوروبا انتجوا أعمالا فكرية ونقدية لا تقل أهمية عن الأعمال الفكرية لجبران والريحاني ونعيمة وغيرهم. عفوا نسيت أمين معلوف الذي أتحفنا بروايات تاريخية وكتابات إبداعية وفكرية قل نظيرها.
أقول ذلك وأنا أفكر بكتابه الأخير، أصول أو بدايات، من جملة أشياء أخرى بالطبع، أو بكتابه الذي يحمل العنوان الرائع التالي: الهويات القاتلة. وهو ينطبق تماما على الوضع العربي الراهن. فالتعصب للهوية العميقة سواء أكانت طائفية أم مذهبية أم قومجية قد يصل بك إلى حد القتل: أقصد قتل الآخر المختلف عنك دينا أو لغة أو مذهبا. انظروا إلى ما يحدث في العراق والباكستان وكل أنحاء العالم الإسلامي الذي يشتعل الآن اشتعالا..فالعصبيات العتيقة المكبوتة تنفجر الآن كالقنابل الموقوتة في كل مكان.
ولكن أعتذر لأمين معلوف ومحمد اركون وادوار سعيد وسواهم من كبار المفكرين في الخارج إذ أقول بان كتاباتهم الرائعة لن تفعل مفعولها ولن تأخذ كل أبعادها إلا إذا ترجمت إلى العربية وبشكل جيد. وبالتالي فالذي يكتب بلغة شكسبير وفولتير غير الذي يكتب بلغة المتنبي وأبي العلاء المعري أو طه حسين ونجيب محفوظ..كان الناقد الفرنسي الشهير رولان بارت كثيرا ما يردد هذه العبارة الهامة: الكتابة هي عمل من أعمال التضامن التاريخي.
بمعنى انني عندما أكتب بلغة ما فاني شئت أم أبيت متضامن تاريخيا معها ومع آدابها وأسلوبها. عندما أكتب باللغة العربية فهذا يعني أن كل الزخم التاريخي من امرئ القيس وحتى اليوم يقف ورائي بشكل واع أو لا واع. هذا لا يعني بالطبع أن محمد اركون أو ادوار سعيد أو أمين معلوف ليسوا متضامنين مع شعوبهم الأصلية إذ يكتبون ما يكتبون من أعمال فكرية وإبداعية ضخمة.
فالواقع أنهم يحملون معهم كل هموم الشعب الجزائري والفلسطيني واللبناني بل والعربي الإسلامي المسيحي ككل..هذا من حيث المضمون والإشكاليات المطروحة. ولكن من حيث الشكل أو الصياغة اللغوية فهم متضامنون مع الزخم التاريخي للغة التي يكتبون بها ويضيفون إليها مسحة خاصة أو مذاقا معينا أو نكهة جديدة.
وأخيرا سوف أقول ما يلي: لن اعتبر نفسي مهاجرا ولا منفيا ولا مغتربا إلا عندما أغير اللغة وأبتدئ بالكتابة باللغات الأجنبية . عندئذ سوف ينتهي كل شئ وتبتدئ غربتي الحقيقية وربما موتي ككاتب. عندئذ سوف يبتدئ كاتب آخر لا علاقة لي به. فهل تغيير اللغة انتحار ثقافي يا ترى؟هل هو أصعب من تغيير الدين أو المذهب؟
ثم: هل يمكن أن تبدع بلغة أخرى غير لغتك الأم؟ أشك في ذلك كل الشك..ورولان بارت اكبر دليل على ذلك فقد كان يرفض أن يشرك بالفرنسية شيئا.. كان من شدة حبه لها يجهل كل لغات العالم بما فيها الانجليزية. كان ينصهر في لغته الأم إلى حد التوسل والعبادة..
ولذلك كان يفرق بين الكتابة الإبداعية التي تنظر إلى اللغة كغاية بحد ذاتها، والكتابة المنفعية التي تستخدم اللغة كمجرد أداة أو وسيلة لتوصيل بعض الافكار ليس إلا. ووحدهم أصحاب الاتجاه الأول كان يعتبرهم كتابا حقيقيين. وبالتالي فاللغة وطن أيها السادة. وربما لهذا السبب لم أشعر في أي يوم من الأيام بأني غريب عن وطني حتى بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على مغادرته..
كان الكاتب الجزائري الشهير مالك حداد يقول: اللغة الفرنسية هي منفاي. وقد استشهدت به الكاتبة الجزائرية فضيلة الفاروق في مداخلة قيمة جدا وصادرة من الأعماق. وقد هزتني هزا. والمقصود بذلك انه كان يشعر بانه منفي حتى وهو يعيش في وطنه لانه مجبر على أن يكتب بلغة أخرى غير لغته الأم.
وأنا أقول لكم: لن أعيش المنفى مرتين، منفى الوطن، ومنفى اللغة والثقافة والجذور. وبالتالي فالعربية هي قدري ومصيري وسوف تظل ترافقني حتى آخر لحظة من حياتي. أقول ذلك بدون أي تعصب قومي أو عنجهية شوفينية معتبرا أن للآخرين نفس الحق في محبة لغاتهم الأم والارتباط العضوي بها.
كاتب سوري
باريس