بمناسبة مغادرة بول ولفوويتز منصبه يوم 30 يونيو الماضي كرئيس للبنك العالمي. قالت نانسي بردسال مديرة البنك الأميركي للتنمية «عهدا كاملا يجب أن يطوى مع رحيل فولفوويتز لأن للبنك العالمي اليوم مهمات مختلفة في عصر العولمة وصعود العمالقة الجدد من أجل تنفيذ مشروع عادل لإلحاق الشعوب المتخلفة والمحرومة بركب التقدم».
وللتذكير فإن البنك الدولي تأسس عام 1944 إلى جانب صندوق النقد الدولي كمؤسستين ماليتين ملحقتين بالأمم المتحدة التي ولدت من رحم عصبة الأمم ومن رحم الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، بغاية تعمير العالم الذي دمرته الحرب وبهدف تكريس هيمنة المنتصرين على الاقتصاد العالمي والمبادلات التجارية.
لكن هذا النظام بأجنحته الأربعة وهي: البنك العالمي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية وأخيرا بورصة وول ستريت في نيويورك، ظل هذا النظام،على مدى الحرب الباردة وحتى بعد اندثار الاتحاد السوفييتي، يعمل وفق المصالح الرأسمالية للدول الغنية. وكان عالم الاقتصاد الفرنسي (روني ديمون) أول من اكتشف في أواخر الستينات بأن المواد الأولية لتصنيع سيارة من حديد وفولاذ ومطاط ورصاص تستجلب من إفريقيا واسيا بثمانين دولارا لتعود السيارة تباع بألفي دولار( طبعا بأسعار ذلك الزمن)، وأن الوقود الذي يحركها يستجلب من البلدان المنتجة بدولارين للبرميل ليباع مكررا بثلاثين دولارا للمستهلك.
وتدريجيا تحول نظام برتون وودس إلى جلاد الشعوب الفقيرة فمارس التدخلات المهينة عليها وفي شؤونها لإخضاع اقتصاداتها لإرادة ومصالح الدول الغربية الغنية، واندلعت في كثير من بلدان العالم حركات تمردية سميت بثورات صندوق النقد العالمي مثل (مصر وتونس والمغرب).
وفي بلدان أميركا اللاتينية ساند نظام برتون وودس الدكتاتوريات العسكرية كما في الأرجنتين والتشيلي والبرازيل والأكوادور وصولا إلى فنزويلا حين ساعد بعض المتمردين على الإطاحة بالرئيس هوغو شافيز عام 1998 وكانت القوى المالية العالمية لبرتون وودس أول من خطط لمحاولة الانقلاب تلك، مثلما فعلت في التشيلي مع الرئيس ألندي، لترعى بعد ذلك عمليات استسلام للنظام العالمي الجائر قام بها الجنرال بينوشيه في تشيلي والجنرال فيدلا في الأرجنتين والدكتاتور سوموزا في نيكاراغوا.
والغريب الذي لم تتوقعه حكومة الخفاء التي تدير شؤون العالم من وراء ستار مانهاتن هو أن القارة الأميركية الجنوبية بدأت منذ عقد تخرج من نير الاحتلال الاقتصادي والسياسي لبرتون وودس بل وطلعت عبر صناديق الاقتراع حكومات ورؤساء يرفضون الظلم ويعلنون هذه الأيام عن إنشاء بنك الجنوب لمقارعة البنك العالمي والاستغناء عنه، وبلغ الأمر ببعض الحكومات الديمقراطية في أميركا الجنوبية إلى طرد مبعوث البنك العالمي وصندوق النقد من أرضها.
مع الأسف يجب الاعتراف بأن العالم العربي أبعد ما يكون إلى اليوم عن يقظة أميركا الجنوبية، وبأن دولنا تنقسم إلى قسمين:
1 ـ دول نفطية ترتبط مصالحها الحيوية بالنظام العالمي الراهن وهو أمر مشروع ومبرر لأن النفط عصب الاقتصاد العالمي وله نواميسه التي تتجاوز قرار الدول المنتجة.
2 ـ دول نامية لا تزال تتقبل تعليمات مؤسسات برتون وودس ويطلق عليها البنك العالمي وصندوق النقد الدولي لقبا لطيفا هو«التلاميذ النجباء للصندوق»، أي في الحقيقة الخاضعة لما يسمى إجراءات إعادة هيكلة اقتصاداتها بتحرير السوق ورفع الدعم عن المواد الأساسية وخصخصة قطاعات الخدمات العامة، وهي إجراءات مناقضة للتوازن الاجتماعي ومخالفة لمبدأ العدالة الاجتماعية ومنذرة بالويل والهزات والزلازل،
ويبقى السؤال اليوم: هل يتزعزع نظام برتون وودس برحيل ولفوويتز الذي ساهم في المأساة العراقية بعقيدة متطرفة وكان من بين مهندسي التورط الغربي في معاداة العالم الإسلامي.