الإعلام مثل السياسة ومثل القضاء لا يكتسب المصداقية ولا يكون جديرا بالاحترام إلا إذا اتسم بالموضوعية والتوازن والصدق. وقد تفرد وسائل الإعلام خاصة إعلام الإثارة مساحات واسعة عند اتهام إنسان أو نظام، وتعرض الروايات الكثيرة عند الإدانة، لكنها عند ثبوت البراءة تكتفي بخبر خجول في مساحة صغيرة وغير مقروءة بعد كل أنواع التشهير بالمتهم، وهذا خطأ أخلاقي وخطيئة مهنية تحذر الصحافة المتوازنة من الوقوع فيها، أقول هذا بينما تشهد قضية لوكيربي التي اختلط فيها القانون بالسياسة تحولا خطيرا نحو العدالة بعدما كانت حديث الصحافة المحلية والعالمية لسنوات.

فبعد مضي ثلاث سنوات في التدقيق بأدلة الإدانة في القضية، قررت اللجنة القضائية البريطانية المستقلة المسؤولة عن مراجعة قضايا إساءة تطبيق أحكام العدالة إحالتها إلى المحكمة العليا لإعادة النظر بعد ثبوت تلاعب كبير بها من الادعاء العام البريطاني وشهود الزور الذين أتى بهم أمام المحكمة لتضليل العدالة لإدانة المواطن الليبى عبد الباسط المقراحي بموجب تلك الأدلة الملفقة بالتفجير طائرة أميركية فوق مدينة لوكربي الاسكتلندية عام 1988.

وسبق هذا التحول بعدة شهور أن واجه واحد من أهم شهود الإثبات الرئيسيين في قضية «لوكيربي» وهو الخبير الجنائي البريطاني «آلان فيرادي» موقفاً بالغ الصعوبة، فقد تزايدت الشكوك حول مدى خبرته، وحول مصداقية شهادته بعد إلغاء المحاكم البريطانية لثلاثة أحكام بالإدانة بحق ثلاثة أشخاص شهد «فيرادي» ضدهم في قضايا أخرى.

وقال رئيس القضاة البريطانيين: «إنه يجب ألا يسمح للخبير فيرادي بالشهادة كخبير في مجال الإلكترونيات» وذلك في القضية الأولى من هذه القضايا الثلاث والتي نظرت قبل قضية «لوكربي» وتم إلغاء الحكم بالإدانة فيها، وقبل ذلك شككت هيئة الإذاعة البريطانية في سلامة الحكم الذي صدر بحق «المقراحي» والذي حكم عليه بالسجن مدى الحياة بعد أن أدانته المحكمة الاسكتلندية الخاصة في هولندا في قضية «لوكربي» بناء على شهادة «فيرادي».

وكان هذا الشاهد الرئيسي الذي أحيل إلى التقاعد قد أكد للمحكمة كخبير أثناء محاكمة المقراحي «أنه متأكد أن قطعة عثر عليها في حطام الطائرة جزء من جهاز تفجير»، ولذلك شكل القضاء الاسكتلندي العادل اللجنة القضائية المستقلة لإعادة النظر في القضايا الجنائية الأخرى التي شهد فيها هذا الخبير البريطاني المتقاعد والتي تم فيها إدانة المتهمين وأهمها قضية لوكيربى.

وبينما قال محامي المقراحي «أدي ماكينش» في تعليقه: إن هذه المعلومات التي تكشفت مؤخراً أثارت مخاوف خطيرة حول الحكم الصادر بحق «المقراحي»، قال «جيم سواير» رئيس لجنة أهالي ضحايا الطائرة الأميركية والذي فقد ابنته في الحادث: إن المعلومات الأخيرة التي تكشفت تزعزع الثقة في الحكم الذي صدر بحق المقراحي.

إن هذه القضية الشهيرة والتي كلفت ليبيا حصاراً دولياً ظالماً لسنوات عديدة مسببة معاناة اقتصادية وسياسية ونفسية للشعب الليبي الشقيق، تصبح الآن باتهاماتها وأحكامها محل مراجعة قضائية بريطانية ومحل متابعة إعلامية وسياسية عربية وعالمية لتأكيد حسن الظن بالقضاء الاسكتلندي، فلم تواجه قضية من القضايا الجنائية الدولية من الشكوك والاستغراب والضغوط والمساومات السياسية الدولية والتحليلات الإعلامية ما واجهته قضية لوكيربي، التي بدت للعالم العربي حينها مجرد ابتزاز دولي ضد الجماهيرية الليبية تصفيةً لحسابات سياسية دولية.

كما بدت في حينها لرجال القانون الدولي مثيرة للتساؤل عن مدى مشروعية دخول مجلس الأمن الدولي على الخط بضغط أميركي وبريطاني لفرض عقوبات على الشعب الليبي، في حين أنها قضية جنائية تخضع في مرجعيتها لأحكام معاهدة «مونتريال» للطيران المدني، وليس لمرجعية ميثاق الأمم المتحدة، وهذا ما أكده حكم محكمة العدل الدولية في «لاهاي» بأنها ذات اختصاص بالنظر في القضية.

وبما يعني أن مجلس الأمن جهة غير مختصة، بما يلقي بظلال من الشك في مشروعية قرار العقوبات. إنني بهذه المناسبة أدعو من يهمه الأمر لقراءة حيثيات الحكم الذي أصدرته المحكمة الاسكتلندية في هولندا والتي حاكمت المواطنين الليبيين المتهمين فحكمت المحكمة على الأول بالبراءة وعلى الثاني بالسجن مدى الحياة!

إن قراءة عامة لهذه الحيثيات لا يدين القضاء الاسكتلندي، ولا يدين أياً من المتهمين الليبيين بل يدين في النهاية شهود الزور الذين دفعت بهم الدوائر السياسية الدولية للإدلاء بشهادات مشكوك في سلامتها وصدقها.

mamdoh77t@hotmail.com