دفع الصحافي المتميز آلان جونستون مراسل هيئة الإذاعة البريطانية «بي.بي.سي» ثمناً غالياً من أجل مهنة البحث عن الحقيقة ـ التي تجلب دوماً المتاعب على ممارسيها. كان قبل اختطافه في 12 مارس الماضي، مصراً على البقاء في قطاع غزة (الملتهب).

وكان الصحافي الغربي الوحيد الذي بقي يعمل في القطاع بشكل دائم رغم تزايد مخاطر التعرض للخطف وتواصل العدوان الإسرائيلي الإجرامي على القطاع براً وجواً. فضل البقاء في غزة في الوقت الذي انتقل زملاؤه واحداً تلو الآخر إلى القدس المحتلة. وكان جونستون يدرك المخاطر التي يمكن أن تواجهه، ولكن حماسه وإصراره على تغطية ما يجري في القطاع، دفعاه إلى أن يبقى فوق الأرض الملتهبة.

الثمن الذي دفعه جونستون، هو حرمانه من حريته على مدى 113 يوماً متواصلة، منذ أن خطفه مسلحون وهو عائد إلى منزله في سيارته من مكتب البي.بي.سي. قال فور أن استرد حريته «لم أر الشمس منذ ثلاثة أشهر، أروع شيء أن يكون المرء حراً، الأمر كان كما لو كنت دفنت حياً، وآخر 16 أسبوعاً كانت الأسوأ في حياتي». لا ننسى أيضاً أنه ظهر الشهر الماضي في شريط فيديو أكد فيه انه مقيد بحزام ناسف وان خاطفيه سيفجرون الحزام في حال السعي للإفراج عنه بالقوة.

نعم .. كانت تجربة أليمة ومريرة، خاصة وأن الرجل كان صحافياً نزيهاً ومحايداً، منح جائزة أفضل صحافي للعام الحالي من قبل مؤسسة لندن برس اواردز وهي من كبريات جوائز مهنة الصحافة، وكان مرشحاً للفوز بالجائزة قبل خطفه. هدفه الوصول إلى الحقيقة كاملة دون تحيز أو مجاملة أو تشويه.

بل إن ما لمسه على أرض الواقع من ممارسات إسرائيلية إجرامية في حق الشعب الفلسطيني طوال سنوات عمله في غزة، دفعه إلى أن يناصر أصحاب الحق والأرض. إن ما تعرض له الصحافي البريطاني لنحو أربعة أشهر، مرفوض ومقزز، ويثير الأسى والحسرة والاستياء من تلك القلة العابثة التي لا تمت بصلة للمخلصين لقضية وطنهم المغتصب. فما فعلوه كان تشويهاً ـ حتى ولو بغير قصد ـ للقضية الفلسطينية التي افترى عليها الكثيرون.

قضية جونستون، كانت شوكة في خاصرة الشعب الفلسطيني الذي يرفض هذه الأعمال التي تتنافى مع الشرع الحنيف ولا تتماشي مع أخلاقه وقيمه. وهو ما أكدته بالفعل حركة حماس التي حررت جونستون من أسره، والتي رفضت في بيان لها أمس، المساس بالصحافيين الأجانب.

الإفراج عن الصحافي البريطاني، يصب في خدمة المصالح الوطنية الفلسطينية، على حد تعبير الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي أكمل الدين إحسان اوغلي. كما أن تسهيل عمل الصحافيين وتجنيبهم الأذى ـ كما قال- يخدم القضية الفلسطينية العادلة، ولقد دعت منظمة «مراسلون بلا حدود» الدولية السلطات الفلسطينية لاتخاذ تدابير لمنع تكرار هذا الأمر، فقد خطف 15 صحافياً في قطاع غزة منذ 2005 ولم يتم مطلقاً اعتقال خاطفيهم أو معاقبتهم.

المؤسف، أنه رغم حالة الارتياح العام التي سادت الساحة السياسية سواء في منطقتنا أو في بريطانيا والغرب، إلا أن حرب الاتهامات المتبادلة بين حماس وفتح لم تتوقف أمس. فقد خرج مسؤول كبير من فتح، يتهم حماس بالضلوع في عملية الخطف وبمحاولة تلميع صورتها على الساحة الدولية من خلال الإفراج عنه، ويقول ان حماس هم حلفاء الخاطفين ـ عائلة دغمش - وكانوا يحمون خاطفي جونستون طوال الوقت. وفي المقابل اعتبر احد كبار مسؤولي حماس، أن عائلة دغمش مرتبطة بحركة فتح ولاسيما محمد دحلان.

ونحن نقول للأشقاء المتناحرين.. كفوا عن التراشق الذي لن نجني من ورائه سوى المزيد من المعاناة للشعب الفلسطيني الصامد. تناحركم، هو أيضاً يضر بقضيتنا قضية كل العرب (فلسطين)، تماماً مثلما أضرتنا عملية اختطاف جونستون الذي يحق لنا جميعاً أن نعتذر له.