من المؤسف أن تحولت الأرض الفلسطينية على صفحات العديد من المطبوعات والمنابر الدولية الواسعة الانتشار الى مثار نقاش سلبي يحمل عناوين تحولها الى موئل للحركات التكفيرية الاسلاموية خصوصاً منها تنظيم القاعدة، وذلك بعد سلسلة الأحداث الأخيرة التي أصابت البيت الفلسطيني، وتفاقم مسألة الصحافي البريطاني المختطف آلان جونستون، والتصريحات الأخيرة التي أطلقها أيمن الظواهري والتي رحب فيها بما جرى من أحداث داخلية فلسطينية في غزة.
وانطلقت المنابر الأجنبية المشار اليها في تعاطيها مع الأحداث الفلسطينية الأخيرة من فحوى التساؤلات الكثيرة المتعلقة بتشبيه أنماط بعض ما جرى من استخدام للعنف وبين سلوك تنظيم القاعدة، وحدا البعض للتأكيد على وجود مجموعات من القاعدة في القطاع، معطياً مجموعة جيش الإسلام مثالاً ملموساً باعتبارها خلية قاعدية بامتياز.ولكن أين حقيقة الأمر بالنسبة للقاعدة في فلسطين؟
في الواقع العملي المباشر انطلقت الدلالات عن محاولات القاعدة لزرع وجودها في فلسطين عبر بعض البيانات المذيلة بتوقيع تنظيم القاعدة في فلسطين، والتي تم توزيعها بشكل محدود في قطاع غزة منذ أعوام ثلاثة مضت، مجموعة من التساؤلات عن مدى الحديث الجدي عن وجود تنظيم للقاعدة في فلسطين كما كانت ومازالت تروج المصادر الأمنية الإسرائيلية.وما ساعد على الحديث عن وجود القاعدة في فلسطين التطور العنكبوتي في انتشارها في بعض البلدان العربية كالعراق وبلدان الخليج وشمال افريقيا.
وفي حقيقة الأمر، ان خصوصية الساحة الفلسطينية وفرادتها قد أفرز معطيات غير شبيهة بالمعطيات التي وفرت التربة المناسبة لانتشار خيوط التنظيم القاعدي في العديد من البلدان، حيث بات الإسلام الوسطي المعتدل جزءاً من المعادلة السياسية والكفاحية الفلسطينية في إطارات العمل الوطني الفلسطيني، وفي الشارع الشعبي عموماً مع انتشار نفوذ كل من حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
وعلى هذا الأساس فان الحديث عن القاعدة في فلسطين أمر مبالغ به وبقيت مساعيها للانتشار في فلسطين دون جدوى تذكر، فقد بذلت القاعدة جهوداً حثيثة للانغراس في الأرض الفلسطينية في سياق التفاعلات والتحولات التي طرأت في الأوضاع الفلسطينية بعد عامين ونيف من انطلاقة الانتفاضة الثانية، وظهر الإعلان الأول عن تشكيل مجموعات للقاعدة في فلسطين في قطاع غزة عبر بيان جماهيري، وهكذا تم الإعلان عن وصول القاعدة إلى فلسطين، وتحديداً إلى قطاع غزة، عبر تأسيس مجموعة عسكرية تابعة مباشرة للقاعدة تأتمر بأمرها، في بيان التأسيس المشار اليه أعلاه.
والذي صدر في الثامن من مايو 2006، ولم يتم التعاطي معه بجدية واهتمام. وظهر الإعلان الثاني عن وجود مجموعات من القاعدة في فلسطين في الثاني من أغسطس 2007، من خلال بيان عمليات عسكري تحدث عن قيام مجموعة من مقاتلي تنظيم القاعدة في فلسطين بقصف مستعمرتي نافية دكاليم، وجاني طال اللتين كانتا مقامتين في قطاع غزة قبل تفكيك مستعمرات القطاع والانسحاب الإسرائيلي منها، مع إعلانات وأفلام تبشر ببدء نشاط تنظيم كتائب الجهاد في فلسطين (تنظيم قاعدة فلسطين).
وفي حينها تلا ذلك بيان آخر عن تنظيم القاعدة في فلسطين يتضمن المسؤولية عن محاولة اغتيال رئيس المخابرات الفلسطينية طارق أبو رجب شنيورة، ويهدد باستهداف شخصيات فلسطينية أخرى، مستنداً الى منطق التكفير الذي دأبت القاعدة على تعميمه، فقد قال تنظيم القاعدة في فلسطين «إننا في تنظيم قاعدة الجهاد - ولاية فلسطين - نعلن المسؤولية الكاملة عن هذه العملية التي تثبت للجميع تمكننا من الوصول إلى رأس الكفر، إخوانكم في تنظيم قاعدة الجهاد في فلسطين تمكنوا من الوصول إلى مقر عمل المرتد عن دين الإسلام طارق أبو رجب شنيورة».
ومنذ عام ونصف عام، بدأت تسود في فلسطين، وتحديداً في غزة، خيوطاً من أجواء قاعدية إلى أن أُعلن الشهر الماضي جيش الإسلام أو كتائب التوحيد والجهاد ذراعاً للقاعدة عبر تبنّي خطف الصحافي البريطاني آلان جونستون ووضع لائحة طويلة عريضة من المطالب والشروط لإطلاقه تتضمن إطلاق سراح أبي قتادة (عمر محمد) الفلسطيني الأردني ـ أحد منظّري القاعدة ـ المعتقل في لندن.
وكذلك إطلاق سراح المواطنة العراقية ساجدة الرشادي المتهمة بمحاولة تنفيذ عملية انتحارية في أحد فنادق عمان، وتتضمن القائمة المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين في سجون الاحتلال الأميركي والبريطاني في العراق وغوانتانامو من دون أي تطرق أو إشارة إلى القضايا والملفات الوطنية المتعلقة بالشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.
ثم تواترت الأنباء عن إنشاء تنظيم للقاعدة في فلسطين، وقيام وسائل الإعلام وأجهزة الأمن الإسرائيلية بالترويج للمعلومات غير الدقيقة المتعلقة بتضخيم وجود وانتشار تنظيم القاعدة في قطاع غزة وذلك لأسباب استخداميه باتت مفهومة في محاولة تشويه الكفاح الفلسطيني العادل وخلطه بالإرهاب، وإثارة الفزع الأصولي وتكرار مقولة «الأسلام فوبيا» أمام العالم بأسره.
وقبل فترة قصيرة (14/5/2007) نشرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية خبراً فحواه أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ووزارة البنية التحتية ستشرعان خلال الأشهر القادمة بتحصين منشآت الطاقة الإسرائيلية وزيادة وتنويع مصادر الغاز والنفط وذلك في أعقاب تحذير استخباري عام حول نية تنظيم القاعدة استهداف منشآت النفط والغاز في الشرق الأوسط بشكل عام وتلك التي تؤثر على إسرائيل بشكل خاص الأمر الذي قد يلحق ضررا كارثيا بالاقتصاد الاسرائيلي.
وفي هذا السياق، يلحظ بأن ظاهرة انتشار تنظيم القاعدة في فلسطين مازالت متواضعة ومحدودة جداً، وتتركز في قطاع غزة أكثر منه في الضفة الغربية نظراً لطبيعة البيئة الغزاوية والظروف المعيشية القاسية، التي تساعد على نمو روح التطرف ليس فقط عند مجموعات إسلامية بل عند عموم المشارب الفكرية،.
إضافة الى إسهام ظروف القمع والكبت ومصادرة الحريات من المجتمع المحيط بالشباب في تنامي هذه الظاهرة، الأمر الذي يولد قابلية متزايدة لدى بعض الشباب لتبني الفكر المتطرف أياً كان مصدره الأيديولوجي. وعليه فان الاتجاهات المتطرفة بما فيها نواة أو مجموعة القاعدة المحدودة في غزة تعتبر المجتمع فاسداً.
وتدعو لتغيير طبيعته باستخدام مختلف الوسائل بما فيها العنف، عبر ممارسة بعض الأعمال في ظل غياب القانون والانفلات الأمني المستشري في الأراضي الفلسطينية.وما ساعد الاتجاهات اياها ما وصفها البعض: حالة العزلة القائمة بين الشباب والعلماء وأصحاب الخبرة، والتي تتيح فرصة للتفكير المتطرف.
حيث وقعت الحركة الإسلامية من وجهة نظر البعض في «فخ عدم تهيئة الشباب وأنصارها للتحولات التي جرت، فاعتقدوا أن الحركة الإسلامية ذهبت في اتجاه مغاير». فضلاً عن ذلك، ان الاتجاهات المحدودة الفعل والتأثير المشار اليه، تنطلق في عملها أيضاً من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية، والتي قد تدفع الشباب للولوج في هذا الفكر المتشدد، وكذلك وجود منطق العنف الذي يتربى عليه الشاب منذ صغره في المجتمع.
ومع ذلك فان الأجواء الفلسطينية عامة لا تساعد على نمو وانتشار الظواهر ذات التطرف الفلسطيني فبقيت محدودة الانتشار والفعل وذلك لأسباب كثيرة، فالفلسطينيون ليسوا بحاجة لوصفات قادمة من الخارج أولاً، فالبيئة الفلسطينية في الداخل في الظروف القاسية تحت الاحتلال والحصار والفاقة، خصوصاً في قطاع غزة، قد تساعد على نمو اتجاهات التطرف، لكن الاتجاهات إياها تصطدم مرة جديدة بخصوصية الوضع الفلسطيني المثقل بالتجارب والآلام، والمشبع بالتعددية، والطامح نحو الديمقراطية الداخلية في سياق مشروعه الوطني المتواصل منذ عقود طويلة من الزمن.
وعليه فان الحديث عن حماستان في قطاع غزة أو فتحستان في الضفة الغربية لا يعدو سوى هراء بهراء، فطيف المقاومة والعمل الوطني بما فيه الإسلامي الجهادي في فلسطين أوسع وأرسخ وابقى من تيارات التطرف الإسلام الأصولي التكفيري، وأوسع من حصره بمجموعة متطرفة (موجودة/غير موجودة) وافدة اليه من الخارج. فالإسلام السياسي ومعه الإسلام الجهادي في فلسطين يمتلك من الحضور والفعالية والتجربة الواقعية (بغض النظر عن مصيبة ما جرى في غزة مؤخراً) ما يسد الطريق على قدوم أفكار إسلامية تكفيرية من خارج فلسطين.
كاتب فلسطيني ـ دمشق