لا يمكن اعتبار التطورات الحاصلة في الساحة الفلسطينية، مؤخرا، وليدة يومها، ذلك أن هذه الساحة كانت تعيش مخاض ولادة مرحلة جديدة منذ فشل مفاوضات كامب ديفيد 2، حول قضايا الحل النهائي (يوليو 2000)، مرورا بالتداعيات الناجمة عن الانتفاضة التي اندلعت أواخر العام 2000، ورحيل الرئيس ياسر عرفات (2004)، وصولا للانتخابات التشريعية (2006)، التي تمخّضت عن فوز حركة حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي، على حساب حركة فتح، التي كانت قادت العمل الفلسطيني طوال العقود الخمس الماضية.

ويمكن تلخيص حيثيات تلك المرحلة الانتقالية بالتالي:

1 ـ انسداد عملية التسوية، وانهيارها، خصوصا بعد أن كشفت مفاوضات كامب ديفيد2 أن إسرائيل تريد من هذه العملية فقط مجرد فرض إملاءاتها السياسية على الفلسطينيين في التفاوض على قضايا المرحلة النهائية (اللاجئين القدس الحدود، المستوطنات الترتيبات الأمنية).

2 ـ تدنّي قدرة الفلسطينيين على بناء كيان سياسي حيوي ومستقل، وذلك بسبب خلافاتهم السياسية، والتخبط والفوضى في إدارتهم للوضع الداخلي، وخصوصا بسبب قيام إسرائيل بالحؤول دون ذلك بالوسائل المباشرة وغير المباشرة، وضمنها فرض الحصار على الفلسطينيين، وتصعيب عيشهم، وعدم الوفاء باستحقاقات عملية التسوية معهم.

3 ـ انسداد الأفق السياسي أمام الانتفاضة، خصوصا مع تعمد إسرائيل القيام بكل ما من شأنه استنزاف الفلسطينيين سياسيا وبشريا واقتصاديا، لا سيما أن إسرائيل، خلال هذه المرحلة (2000ـ 2007)، عملت على فرض الأمر الواقع من خلال بناء عشرات النقاط الاستيطانية، وحرمان الفلسطينيين من أي فعل سياسي في نطاق القدس، ومعاودتها احتلال المناطق التي كانت خاضعة للسلطة الفلسطينية، وشروعها ببناء جدار الفصل العنصري، الذي يقطع أوصال الأراضي في الضفة الغربية، وقيامها بخطوة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة.

4 ـ حال التخبط والانفلات في حركة فتح، بعد غياب زعيمها ياسر عرفات، حيث باتت هذه الحركة تفتقد للمرجعية القيادية، السياسية والتنظيمية، وتعيش مرحلة من الفوضى والفلتان السياسي والتنظيمي والعسكري والمسلكي، ما أثر على أدائها كحركة وطنية وكسلطة سياسية، وكمرجعية قيادية، في آن معا.

5 ـ صعود حماس، بعد انخراطها في النظام الفلسطيني من بوابة السلطة، وعبر الانتخابات التشريعية، ما جعل الساحة الفلسطينية تعيش نوعا من الانفصام في المرجعية السياسية والشرعية القيادية وازدواجية السلطة، خصوصا منذ مطلع العام 2006.

6 ـ تهميش منظمة التحرير، وهي بمثابة الكيان السياسي المعنوي لكل الفلسطينيين، وممثلهم الشرعي، ورمز كفاحهم الوطني، وذلك لحساب السلطة، ما خلق نوعا من التسيب في النظام الفلسطيني، وفجوة كبيرة في تمثيليته، بالنظر لكون السلطة تمارس سيادتها (ولو المنقوصة) فقط في الأراضي المحتلة.

من ذلك فإن كل هذه الأوضاع المعطوفة على حال التوتر الدولي والإقليمي السائدة في الشرق الأوسط، وفي إطار الصراع على هذه المنطقة، خصوصا من إيران مرورا بالعراق وصولا إلى لبنان، باتت تؤشر إلى تعذر استمرار عمل الساحة الفلسطينية وفق الطريقة السابقة؛ ما أوصل الأمور إلى التفجر وإلى حال الاقتتال الدامي والمدمر بين حركتي حماس وفتح، خصوصا مع إخفاق التوصل إلى حلول توافقية بالحوار أو بالأساليب الديمقراطية، في ساحة باتت تعيش استقطابا حادا بين حركتين سياسيتين (فتح وحماس)، وتعج بالسلاح والجماعات المسلحة، وفي غياب المرجعيات التاريخية.

الآن، وبعد أن حصل ما حصل، وعلى رغم صعوبة التكهن بالمآل النهائي للتطورات الجارية، ومداخلاتها وأبعادها وتعقيداتها، فإن الساحة الفلسطينية، على الأرجح، تشهد ولادة مرحلة سياسية جديدة، على أساس الملامح التالية:

أولا) بعد التطورات الحاصلة باتت الساحة الفلسطينية في مواجهة خيارين، لا ثالث لهما (إذا استبعدنا المزيد من الاختلاف والانقسام والاستنزاف)، فإما التوافق بين (فتح) و(حماس) وغيرهما، على قواسم سياسية وميدانية مشتركة، بشأن مواجهة السياسات الإسرائيلية، وإدارة الوضع الداخلي وتوطيد بنيان الكيان الفلسطيني.

وإما التحول نحو حسم واقع الازدواجية والتعادل بينهما بالوسائل الديمقراطية والدستورية، عبر التوافق على تنظيم انتخابات مبكرة رئاسية وتشريعية في آن معاً، لحسم مجمل القضايا السياسية المختلف عليها، بما يضمن تجاوز الواقع الإشكالي الناشئ عن الاقتتال والانقسام والاختلاف، ويضمن سلامة المسيرة الفلسطينية.

وبديهي فإن هكذا توافق يحتاج إلى توجه فتح نحو استنهاض وإصلاح أوضاعها، وإلى تراجع حماس عن واقع الحسم العسكري وقبول التعددية، كما يحتاج ذلك إلى جهود وربما ضغوط عربية بناءة، لدفع الطرفين لهذا الاتجاه، وتدوير الزوايا الحادة بينهما، لإصلاح ذات البين، وإعادة بناء النظام الفلسطيني (المنظمة والسلطة معا) على قاعدة مؤسسية وتعددية وديمقراطية وشرعية (انتخابية)، ووفق التوازنات الناشئة عن صناديق الاقتراع، وعلى أساس برنامج الإجماع الوطني (برنامج الدولتين).

ثانيا) في حال استمرار حال الانقسام والاختلاف والفوضى في الساحة الفلسطينية فربما يفتح هذا الأمر على مسارات عدة غير متوقعة، ضمنها:

أ) وأد عملية التسوية على المسار الفلسطيني، وربما أن البديل عن ذلك يتمثل بقيام إسرائيل بفرض املاءاتها من طرف واحد، ما يمكنها من تجاوز القضايا الجوهرية (اللاجئين والحدود والقدس والمستوطنات) وخلق دويلة فلسطينية محدودة في الضفة الغربية.

ب) الإبقاء على الوضع الراهن في قطاع غزة للتعامل معه بحسب الظروف، أو بحسب طبيعة التوجهات التي تتخذها حركة حماس. معلوم أن إصرار حماس على الإمساك بالقطاع يشكل عبئا كبيرا عليها، بالنظر للاستهداف الذي ستتعرض له، في حال قيامها بأعمال ضد إسرائيل منه، أو تسهيلها مثل هذه الأعمال، حيث سيتيح ذلك لإسرائيل الاستفراد بالقطاع وتشديد حصاره والإمعان فيه قتلا وتدميرا، خصوصا أن القطاع يفتقد للموارد الطبيعية.

ويعيش على الإمدادات الحيوية التي تصله من إسرائيل (مياه ـ كهرباء ـ طاقة ـ مواد تموينية ـ معابر)، كما أن الأمر يحتاج إلى تدفقات نقدية هائلة لتمكين جزء كبير من أهالي غزة من العيش. وبديهي فإن تجاوب حماس مع املاءات إسرائيل، أو تهدئتها الوضع ضدها، سيكشفها ويحرجها في ساحتها وبين جمهورها.

ج) إيجاد حاجز جغرافي ـ أمني (منطقة عازلة) بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية في قطاع غزة، وضمن ذلك على الحدود مع مصر، وفي إطار أخر جلب قوات دولية على الحدود بين قطاع غزة وكل من مصر وإسرائيل، ما يساهم في عزل القطاع عن محيطه، والإمعان في حصاره، مع تأمين الموارد الحيوية له.

د) العودة إلى حد ما إلى وضع ما قبل الاحتلال (1967)، من خلال عودة الدور المصري إلى قطاع غزة، وعودة التقاسم الوظيفي في الضفة الغربية (بين الأردن وإسرائيل).

ه) الالتفاف على القضية الفلسطينية من خلال حث التوجه نحو حل وسط إقليمي مع الأردن، وفق مشروع مثل «الكونفدرالية الأردنية ـ الفلسطينية».

6) تصفية القضية الفلسطينية، وبالتالي تصفية منظمة التحرير الفلسطينية، الكيان السياسي والمعنوي الموحد للفلسطينيين والمعبر عنهم وممثلهم الشرعي الوحيد، والعودة إلى نقطة ما قبل قيام المنظمة. هكذا فإن الفلسطينيين خسروا كثيرا، عندما ضحّوا بتعدديتهم وديمقراطيتهم، وحينما غلّبوا خلافاتهم الفصائلية، وتوجهوا نحو الاقتتال فيما بينهم على سلطة وهمية وواهية. وكان الفلسطينيون خسروا، قبل ذلك، حينما تخلوا عن مكانة الضحية في نضالهم وكفاحهم العادل والمشروع، وانتهجوا طريق العنف الفوضوي المنفلت من عقاله، كما حين تخلوا عن قضيتهم بوصفها قضية تحرر وطني من الاستعمار والعنصرية، وتحولوا إلى سلطة، ولو تحت الاحتلال.

كاتب فلسطيني
mkayali@scs-net.org