منذ أحداث سبتمبر 2001 انتشرت بشكل لا مثيل له في التاريخ المعاصر عبارات «الاعتدال السياسي» و«الاعتدال الديني» و«الإسلام المعتدل» و«الدولة المعتدلة» و«القائد المعتدل» وغيرها من العبارات التي فصلت في البيت الأبيض ومؤسسات القرار السياسي في واشنطن من أجل إلباسها للعالمين العربي والإسلامي، بدعوى أن العالم المتطور يحكمه الاعتدال في كل شيء.

ما من شك أن الاعتدال في السياسة وغير السياسة كالاجتماع والاقتصاد والدين أمر مهم وجيد ومطلوب لأن البديل عن ذلك سيكون حتماً التطرف والتطرف لا يقود إلا إلى الهلاك والفشل للجهة التي تستخدم التطرف كسياسة للتعاطي مع الآخرين، والأمثلة كثيرة وواضحة في هذا السياق.

ولكن الحديث عن الاعتدال بالأسلوب الأميركي الذي نشهده ونعيشه منذ وصول الإدارة المتطرفة للرئيس بوش وتقسيم العالمين العربي والإسلامي إلى «دول معتدلة» و«دول متطرفة» يفتقد إلى المصداقية تماماً. فهذه الإدارة منذ وصولها لم تتصرف باعتدال في جميع قراراتها السياسية خاصة تلك التي تتعلق بالشرق الأوسط.

هذه الإدارة التي قررت في أيامها الأولى الابتعاد عن الحكمة والعقلانية في التعاطي مع الملفات السياسية والأمنية الساخنة والمتفجرة في الشرق الأوسط وتبنت سياسة «الازدراء السياسي» تجاه أهم ملف في المنطقة وهو ملف القضية الفلسطينية واستمرار احتلال إسرائيل للأراضي العربية واستمرار التهديد الإسرائيلي للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط عبر سياساتها العدوانية والاستفزازية وخاصة في رفضها للامتثال للشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة التي صدرت منذ عقود ولم تنفذ بسبب السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

وعندما تعرضت الولايات المتحدة الأميركية للهجمات الإرهابية في سبتمبر عام 2001 اتبعت الإدارة الأميركية سياسة متطرفة لم تختلف عن تلك التي يمارسها تنظيم القاعدة المتهم بتنفيذ هذه العمليات، وقسمت عبرها العالم إلى عالمين واحد يعلن ولاءه وطاعته واستسلامه للسياسة الأميركية والآخر يرفض الاستسلام السياسي لإدارة الرئيس بوش ليضاف إلى «محور الشر» الذي ابتكرته هذه الإدارة، ومن ثم أعلنت الحرب على الإرهاب.

وهكذا رسخت إدارة الرئيس بوش المتطرفة سياسياً مفهوماً جديداً في العلاقات الدولية يرتكز على أسس متطرفة أسوأ بكثير بتداعياتها ونتائجها الكارثية على الأمن والاستقرار العالميين من تلك التي كانت متبعة أثناء النظام العالمي القديم ذي القطبية المزدوجة، وذهبت الإدارة الأميركية بتطرفها إلى أبعد من ذلك عندما قامت بغزو أفغانستان واحتلال أراضيه ومن ثم اتهمت النظام العراقي السابق بالإرهاب وبعلاقته بتنظيم القاعدة وبناء ترسانة نووية مبررة بذلك احتلالها غير الشرعي وغير القانوني للعراق وإدخال الشعب العراقي دوامة العنف والإرهاب والتوتر وخطر التقسيم الجغرافي والسياسي.

وتتحمل إدارة الرئيس بوش وحدها مسؤولية ما يحدث في أفغانستان والعراق وليست الدول المجاورة أو تنظيم القاعدة ما يجري في العراق لاسيما وأن لجنة البحث عن الترسانة العسكرية العراقية غير التقليدية أنهت أعمالها رسمياً دونما نتيجة تذكر في هذا الخصوص والتأكد أيضاً من أن النظام العراقي السابق لم يكن له أية ارتباطات بتنظيم القاعدة، وكيف يكون لنظام علماني أيديولوجي تحكمه مبادئ بعثية علاقات بتنظيم ديني متطرف يحارب أنظمة في العالمين العربي والإسلامي يتهمها ب«الكفر والانبطاح» للأنظمة الغربية؟!

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل عملت إدارة الرئيس بوش على دعم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرييل شارون المعروف بتطرفه السياسي والعسكري وبتاريخه الإجرامي ضد المدنيين في لبنان وفلسطين، واعتبرته برجل السلام الأول في منطقة الشرق الأوسط.

وأيدته في سياساته الاحتلالية للأراضي الفلسطينية والعربية وأيدت خططه لقمع الشعب الفلسطيني المنتفض ضد الظلم والاضطهاد والاحتلال، وذهبت بعيداً في سياستها وأكثر من أي رئيس أميركي أسبق عندما دعمت سياسة شارون في لاءاته المجحفة ضد السلام الشامل والعادل عندما أعلن الأخير رفضه لحق العودة والدولة الفلسطينية المستقلة بحدود عام 1967 وتفكيك جميع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية المحتلة.

وأخيراً وليس آخراً دعمت إدارة الرئيس بوش الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 2006، بل إن بعض التقارير والتحليلات أشارت إلى أن الإدارة الأميركية هي من طلبت من تل أبيب شن الحرب على لبنان ضمن سياسة «الفوضى البناءة» التي تتبعها في الشرق الأوسط ولتخفيف الأعباء السياسية والعسكرية التي منيت بها الإدارة الأميركية بسبب فشل سياستها في العراق.

طبعاً ولا ننسى شعارات الحرية والديمقراطية والشرق الأوسط الكبير والجديد التي أرادت إدارة الرئيس بوش نشرها وتطبيقها في منطقة الشرق الأوسط، وتحدثت رئيسة الدبلوماسية الأميركية كثيراً عن أخطاء الإدارات الأميركية السابقة خلال العقود الستة السابقة والتي دعمت أنظمة شمولية في المنطقة واعتبرتها سبباً مباشراً للتطرف والعنف الذي انتشر في أرجاء العالم ودعت إلى تغييرها.

وعند الاختبار الأول في هذا السياق في فلسطين المحتلة وبعد فوز حركة حماس الساحق بالانتخابات التشريعية وكانت انتخابات حرة ونزيهة بشهادة العالم الحر والرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، رفضت الإدارة الأميركية هذه النتائج وأعلنت حصارها السياسي والدبلوماسي والمالي والاقتصادي ضد الشعب الفلسطيني وخياره الديمقراطي.

وأيدت جميع المحاولات لتغيير الواقع السياسي الجديد في فلسطين، هذا علماً بأن إدارة الرئيس بوش كانت هي من أصر على إجراء هذه الانتخابات وأجبرت إسرائيل على السماح للمقدسيين الفلسطينيين بممارسة حق التصويت والاقتراع بعد أن رفضت الأخيرة بالسماح لهم بالتصويت وبعد أن هدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس إجراء أية انتخابات ما لم يسمح للمقدسيين بإدلاء أصواتهم.

إذاً الحديث عن الاعتدال السياسي هو وهم وسراب غير واقعي وليس موجوداً على الأرض ولن تسمح بوجوده إدارة الرئيس بوش حتى يتم تحقيق أهدافها وأهداف حليفتها الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط. إن الدول العربية جميعها هي دول معتدلة في سياساتها وتوجهاتها وعلاقاتها الدولية وقد أثبتت ذلك عبر العقود الطويلة سواء أثناء النظام العالمي القديم وأثناء النظام العالمي الجديد الذي نعيش أيامه السوداء بسبب سياسات إدارة الرئيس بوش وحلفائه في الشرق والغرب.

لقد أعلنت وأيدت الدول العربية والدول الإسلامية والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي في كثير من المناسبات ومراراً وتكراراً دعمها للسلام الشامل والعادل في منطقة الشرق الأوسط عبر مبادرة السلام العربية ودعمها لكل الجهود الدولية لتحقيق السلام وعن رغبتها في إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل بعد انسحابها من الأراضي العربية المحتلة، ولم يتبق في جعبتها أي شيء تقدمه حتى لا تتهم بالتطرف والإرهاب وتضاف إلى قائمة «محور الشر» الأميركي.

إن أمام منطقة الشرق الأوسط عاماً ونصف العام من حكم الرئيس بوش وخلال هذه الفترة الحرجة والحساسة لن يكون هناك صوت يعلو على صوت «الاعتدال» الأميركي ومن يحاول أن يعتدل أكثر من ذلك أو أقل قد يواجه بعقوبات أممية عبر مؤسسة الأمم المتحدة الأميركية أو حتى عبر الحل العسكري الذي يفضله تيار واسع في إدارة الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com