كان السيد اسماعيل هنية رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية محقا عندما رفض عودة اكثر من ستة الاف فلسطيني محتجزين في الجانب الآخر من الحدود المصرية عبر معبر كرم سالم الخاضع للسيطرة الاسرائيلية، لأن مثل هذا الاقتراح يشكل ابتزازا للطرف الفلسطيني ومحاولة مكشوفة لتغيير اتفاقات موقعة برعاية اميركية واوروبية لتنظيم التنقل من خلال معبر رفح.

وما يثير الاستغراب والقلق في آن هو خضوع الحكومة المصرية لمثل هذا الابتزاز الاسرائيلي السافر، والقبول بانتهاك واضح لاتفاقات دولية، كانت هي طرفا اساسيا فيها.

تحويل المسافرين الى معبر كرم سالم يعني سيطرة اسرائيلية مطلقة على تحركات الفلسطينيين، والتحكم المباشر بمن يدخل الي قطاع غزة، ومن يغادره، اي عودة كاملة للاحتلال الاسرائيلي لقطاع غزة دون تحمل تبعاته، وبموافقة عربية مصرية للأسف الشديد.

ويبدو ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي كانت قوات حرسه هي التي تتولي الاشراف على معبر رفح لا يعارض المقترحات الاسرائيلية هذه، بل ربما يكون قد حرض عليها، لانه يريد ممارسة اكبر قدر ممكن من الضغوط لافشال ادارة حماس لقطاع غزة بعد انهيار اجهزة امن السلطة التي كانت تتبع له مباشرة.

فالرئيس عباس الغى جوازات السفر الفلسطينية القديمة، واصدر اخرى حديثة لحرمان ادارة حماس من اصدار جوازات سفر لابناء القطاع، وتقييد سفر اكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني.

ومن الواضح ان هناك محاولة ثلاثية اسرائيلية ـ مصرية ـ عباسية لاستغلال وضع ستة آلاف فلسطيني عالقين امام معبر رفح لتحويل قطاع غزة الي سجن كبير، و قبو تعذيب لابنائه، والغاء الاتفاقات المنظمة للعبور في منفذ رفح الحدودي.

المركز الفلسطيني لحقوق الانسان اكد في بيان له وزعه على اجهزة الاعلام ان 12 حالة وفاة بين المرضي الفلسطينيين خلف المعبر قد جري احصاؤها من قبل مندوبيه، وقال ان هناك 1200 مريض آخرين يعانون من امراض خطيرة ويواجهون خطر الموت في اي لحظة.

واذا وضعنا في الاعتبار الظروف السيئة التي يعيشها هؤلاء في ظل غياب رعاية صحية او انسانية، وارتفاع درجة الحرارة في فصل الصيف القائظ، فانه يمكن تخيل حجم معاناة هؤلاء اليومية، وبينهم نساء واطفال تقطعت بهم السبل، وباتوا يتسولون من اجل سد جوعهم وارواء عطشهم.

الرئيس عباس بصمته على هذه المأساة الانسانية، ومباركته الواضحة للحصار المفروض على قطاع غزة، لا يعاقب حركة حماس التي يتهمها بالانقلاب على الشرعية، وانما اكثر من مليون ونصف المليون الفلسطيني تحولوا الى ضحايا صراعه مع الحركة، ورغبة بعض المحاطين به للانتقام منهم تعويضا عن هزيمتهم وانهيار قوات امنهم في المواجهات الاخيرة.

الفصائل الفلسطينية مثل الجهاد الاسلامي ولجان المقاومة الشعبية بمعارضتها عبور الفلسطينيين ابناء القطاع عبر معبر كرم سالم الخاضع بالكامل للسيطرة الاسرائيلية انما توجه رسالة رفض واضحة لمحاولة استخدام معاناة المسافرين الفلسطينيين المحتجزين كورقة ضغط ومساومة لاعادة القطاع مرة اخرى الى بيت الطاعة الاسرائيلي.

وعدم فهم هذه الرسالة ومضمونها، سواء من قبل الرئيس عباس او السلطات المصرية ربما يؤدي الى اضرار كبيرة على الجانبين، لان حشر مليون ونصف المليون فلسطيني وتحويلهم الى رهائن جريمة كبرى لا يمكن ان تستمر دون انتقام.