فئة كبيرة من الأطفال الموهوبين والأذكياء جدا في الدولة لا تجد من يأخذ بيدها ويستغل طاقاتها وإبداعاتها، ويوفر لها البيئة المناسبة التي يستطيع الطفل الموهوب من خلالها أن يبتكر ويصنع ويحول أفكاره إلى إنجازات مثمرة يشهد لها العالم.

نحتاج إلى مؤسسات حكومية تعنى بهؤلاء الأطفال، توفر لهم المتخصصين من المدربين والأساتذة المؤهلين، نحتاج إلى نواد تحتضن هذه المواهب وترتقي بهم إلى المستويات المتميزة، وتوجه طاقاتهم إلى مسارات إيجابية، فالأطفال الموهوبون تدور في أذهانهم أفكار كبيرة وأسئلة كثيرة ومشاريع مبدعة، لا يستطيع الأهل أن يتفاعلوا معها بالشكل الذي يرتقي بهم، إما بسبب عدم معرفة الأهل بخصائص هؤلاء الأطفال النفسية والفكرية، أو بسبب الجوانب المادية التي تجبر الأهل أحيانا إلى تجاهل طلبات أطفالهم اللا محدودة.

تلك هي كلمات القارئة «أم مصعب» التي تطرح خلالها تجارب واقعية تعيشها مع ابنها الذي تصفه بكثير الأسئلة وكثير النشاط، طلباته أيضا عديدة، يصنع ألعابه بيده ويقوم بتجارب كثيرة منها الخطيرة، يحب تتبع كل ما يدب على الأرض ويحتفظ بالحشرات في علب ليتابع حركاتها ـ يتأمل كل ما يراه في السماء ـ ويحول الأشياء التي تسقط في يده إلى أشياء أخرى أو ألعابا يلعب بها.

أكثر من ذلك فالصغير «مصعب» يطرح أفكارا واقتراحات تقول لا نستطيع الرد عليها ويتنقل في تجاربه. كما أنه يحب صناعة العطور، فقد مزج عصير الليمون مع ورد الياسمين وأضاف الماء وقليل من أحد العطور، فكانت النتيجة مبهرة. هذه التجربة قام بها وهو في الصف الثالث الابتدائي.

اليوم يبلغ من العمر حاليا 11 سنة.يحلل الأشياء والأمور التي تمر أمامه. ومن الطاقات السلبية التي شعرت بالخوف على ابني منها وفق «أم مصعب» عندما طلب مني إقامة ورشة في البيت مزودة بأدوات وأجهزة كثيرة. عجزت عن توفير مطلبه، فتوجه إلى والده مصرا على طلباته إلا أن والده تعذر لضعف إمكانياته المادية.

حينها طرح على والده فكرة الحصول على الكثير من المال وبأسهل الطرق وذلك من خلال وضع ورقة مالية من فئة ال500 درهم في الماسح الضوئي ونسخها بأعداد كبيرة من الجانبين وبهذه الطريقة قال لوالده انه صار بمقدوره أن ينفذ الكثير من مشاريعه، فأخبرته أن هذه الفكرة تعتبر تزويرا ويعاقب عليها القانون ولا يجوز أن تفكر هكذا، وأخيرا شعرت أن ابني شديد العصبية وكتوم، كما أن مستواه الدراسي قد تدنى بشكل ملحوظ.

إن المتنفس الوحيد له هو نادي الشطرنج إلا أنه لا يلبي طموحاته ولكن يشغله عن ما يسبب له المخاطر إنني أطالب أن يحصل ابني وغيره من الموهوبين في الدولة على الدعم والفرص لتوجيه طاقاتهم إلى طاقات إيجابية. فالمعروف أن هذه الطاقات إن لم تستغل في الخير فقد تنصرف إلى طاقات خطرة وقد تكون شريرة. كما أنني غير قادرة على الرد على أسئلته الكثيرة التي أشعر أحيانا أنها لم تخطر في بالي يوما مثل: «كيف أستطيع أن أحكم العالم»؟

«كيف أستطيع أن أكتشف الفضاء»؟ «لماذا الطفلة الصغيرة لا تنجب والمرأة تستطيع أن تنجب»؟ «هل يمكن أن تنجب المرأة مخلوق غير الإنسان»؟ وهناك مواقف قد يعاقب عليها الطفل بسبب عدم تفهم الأهل لما يدور في ذهن طفلهم وأذكر أنه في أحد الأيام وضع في الثلاجة زجاجة ماء وعندما جاء والده ليفتح الثلاجة وجد الزجاجة مكسورة من شدة التجمد فنادى والده عليه وسأله له لماذا وضعت هذه الزجاجة هنا قال إنها تجربه فضحك عليه والده وقال إذن فشلت التجربة وانفجرت القنينة، فرد عليه ابني وقال له لا لم تفشل التجربة فأنا أرى الآن أن الماء أخذ حجما أكبر مما تستوعبه القنينة لذلك هي انفجرت. «هذه الحادثة كانت وهو في الصف الثاني الابتدائي».

نرى أحيانا في الثلاجة أقلاما خشبية، نظارة والده، وأشياء لا يمكن وضعها في الثلاجة وعند سؤاله يرد قائلا: «أريد أن أعرف هل تتغير هذه المواد في درجة التجمد». هذه بعض الأشياء التي لم نعرها اهتماما وأحيانا يعاقب عليها.

ترى هل هناك من يأخذ بيد أمثال مصعب ويقيهم شر الوقوع في المحظور؟

fadheela@albayan.ae