في التاريخ نقرأ أن هولاكو خان، امبراطور المغول، أراد الاستيلاء على بغداد التي كانت حلمه وهدفه دائماً، «فتعلل برفض الخليفة العباسي المستعصم إرسال امدادات عسكرية إليه، فنفذ هدفه» والبقية معروفة:

وهذه البقية باختصار تتمثل في سقوط عاصمة الخلافة العباسية ومقتل ثمانمئة ألف شخص، وإلقاء كنوز بغداد الفكرية والأدبية والعلمية والثقافية التي دونت في المخطوطات والكتب في نهر دجلة، وإعدام المستعصم بطريقة بشعة ووحشية تليق بهولاكو كطاغية ومجرم حرب وسفاح. ‏

ما الذي يجعلنا نستذكر «قصة» جرت أحداثها في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي؟ ‏ قبل الإجابة عن هذا السؤال قد يكون من المفيد أن نستعير من كتب التاريخ بعضاً مما جاء على لسان هولاكو وهو يتوعد المستعصم ويدعوه إلى تدمير أسلحة الدمار الشامل. ‏

ـ عفواً ، يبدو أن الأمر اختلط عليّ، فهولاكو دعا المستعصم إلى تدمير أسوار بغداد وقلاعها والاستسلام من دون شروط. ‏ لا ندّعي أن التاريخ يعيد نفسه، وإن كانت بعض الأحداث تتكرر بشكل شبه كامل. ‏

فضحايا هولاكو من أبناء بلاد الرافدين بلغوا ثمانمئة ألف شخص ـ كما أسلفنا ـ وضحايا الغزوة الجديدة تجاوزوا المليون، ولا تزال آلة القتل الأميركية تدور يومياً وقد تستمر في حصد أرواح المدنيين الأبرياء لعشر سنوات قادمة، كما «يبشرنا» سياسيو وعسكريو المستر بوش وشركته المساهمة لصنع الحروب التي تملكها جماعة المحافظين الجدد وقادة المؤسسات الصهيونية. ‏

وكما كان أول عمل قام به هولاكو هو إلقاء أمّهات الكتب ونتاج مئات السنوات من الثقافة والعلم والفن والحضارة في دجلة، كذلك فعلت جحافل بوش وبلير وأثنار وبيرلوسكوني وسط صمت عربي وتواطؤ دولي، وذلك عندما نهبت آثار العراق وكنوزه الحضارية. ‏ وكما أحرق هولاكو الأخضر واليابس في العراق ها هي قوات «التحالف» تكرر فعلة الامبراطور المغولي. ‏

والأهم: كما كان الغزو المغولي وحشياً همجياً ووصمة عار في جبين البشرية أضحت مضرب الأمثال عبر العصور، صارت همجية قوات الاحتلال الحالي للعراق تمثلاً بما قامت به جيوش المغول، وستصبح في التاريخ، وصمة عار جديدة في جبين البشرية جنباً إلى جنب مع همجية هولاكو، وجميع «الهولاكويين» عبر التاريخ. ‏

لا نقصد هنا تشبيه الرئيس الأميركي المحترم جورج بوش بهولاكو ـ لا سمح الله ولا قدر فهو أكبر من ذلك بكثير، وأهم ـ وإنما أردنا فقط استحضار ما جرى لبغداد قبل سبعة قرون ونصف القرن، لنسأل: هل كتب على حاضرة العباسيين، وعاصمة الرشيد، ومدينة العلم والنور والفنون المتألقة، أن تتعرض لجوائح الغزاة، وأعاصير العدوان، ووحشية وهمجية أعداء البشرية، عقاباً لها على أنها مهد الحضارات وموطن البشرية ومعين التاريخ، ومشعل الإنسانية المضيء؟ ‏

من ألقى بكتب ومخطوطات مكتبة بغداد في نهر دجلة، وجعل مياهه تذرف دموعاً سوداء، لا يختلف عن الذي أسقط القنابل المدمرة على صدور أطفال ونساء وشيوخ العراق، والذي سرق آثار وحضارة هذا البلد، والذي لا يزال ينتقم من أحفاد السومريين والبابليين، والكلدانيين والآشوريين، ومن أحفاد نبوخذ نصر وما أدراكم ما نبوخذ نصر..!! ‏

ومن أقام دولته على انقاض شعوب أميركا الأصليين «الهنود الحمر» ونسف ـ أو حاول ـ حضارتهم الضاربة الجذور في أعماق التاريخ، يسهل عليه اقتلاع شعب من أرضه ليزرع مكانه كائنات بشرية اقتلعت من دولها لتشكل مجموعة غير متجانسة، فقط تنفيذاً لوعد إلهي مزعوم بـ «أرض الميعاد» لشعب تطاول على الذات الإلهية، وزعم أنه «شعب الله المختار» واستغفر الله عما يأفكون. ‏

هولاكو جاء... دمّر... أحرق... قتل.. ثم رحل ولم يبق منه إلا صفحة سوداء في سجل التاريخ، والغزاة الجدد جاؤوا... دمروا... أحرقوا... قتلوا... ويسطرون اليوم صفحات سوداء في السجل نفسه.. لكنهم سيرحلون إن لم يكن عاجلاً، فآجلاً... ومقاومة شعب العراق ومقاومة العرب للقوى الهولاكية الجديدة هي التي ستنتصر لأنه منطق الحق والعدل والتاريخ. ‏