من حسن حظ بعض الفرقاء في لبنان وجود بلد مجاور لبلدهم يدعى سوريا يصبون عليه جام غضبهم ويكيلون له الاتهامات كيفما اتفق وينشرون على حباله كل ذلك الغسيل الوسخ الذي تفيح منه رائحة طائفية نتنة صبغت تاريخ وحاضر النظام السياسي في لبنان منذ أن قرر المستعمر الفرنسي تأسيسه على هذه الهيئة العرجاء، التي تسمح كلما اقتضت الحاجة بالتدخل الخارجي.

لا شك بأن الفصل الأخير من التدخلات والتداخلات الخارجية والتجاذبات الطائفية الداخلية التي يعيشها لبنان له طعم مر خاص هذه المرة لجهة الرؤية أحيانا وتوجهها في غالب الأحيان إلى أي وجهة أخرى غير وجهتها الحقيقية، لكن لعل ما يحول دون احتدام الصراع مجدداً بين شتى المذاهب والطوائف اللبنانية في اللحظة الراهنة هو ذلك الواقع الجغرافي الذي يجمع بلدهم بسوريا.

وذلك لسهولة استخدامها كشماعة يعلق على كاهلها كل العوامل الموضوعية الناضجة لاندلاع حرب أهلية إذا ما رأت النور هذه المرة فلن تبقي ولن تذر وستحرق الأخضر قبل اليابس بدءاً بالنظام السياسي اللبناني القائم بالدرجة الأساسية على العنصر الطائفي والذي تشكلت على أساسه طبقة اجتماعية عريضة لها ملامحها الواضحة ومصالحها الخاصة المستعدة للدفاع عنها حتى الرمق الأخير.

ويمكن القول إنه حتى وسائل الإعلام اللبنانية إما لا تحبذ أو إنها عاجزة عن الولوج الى عمق الأحداث الدائرة على الساحة اللبنانية، لأنها إذا ما حاولت الوصول الي أبعد مما تطرحه في هذه الأيام فإنها ستجد نفسها مجبرة على طرح جانب من الحقيقة على الأقل وتلك الحقيقة ذات منطلقات وأبعاد طائفية من الدرجة الأولى كما يعلم القاصي والداني، وعندها ستحل الطامة الكبرى وستندلع الحرب الطائفية الكبرى، التي ستنسف النظام السياسي من جذوره.

في قلب هذا المشهد القاتم لابد من تسجيل حقيقتين أساسيتين من دون أخذهما بعين الاعتبار سيبقى لبنان يتخبط بوحل الصراعات الجانبية القائمة حاليا، الحقيقة الأولى تفيد باستحالة الاستمرار باعتماد سياسة الإقصاء مع الجارة سوريا، إذ لا يمكن أن يتغير المشهد السياسي في لبنان بين ليلة وضحاها وبقرار، رغم أنه صدر باسم المجتمع الدولي، إلا أن الجميع يعلم بأنه قرار فرنسي ـ أميركي في المقام الأول.

كما أنه لا يمكن شطب تاريخ الوجود والعلاقة مع السوري بجرة قلم، لا سيما وأن أصحاب أشرس الاتهامات التي توجه إلى سوريا هم أنفسهم الذين استجلبوا قوات هذا البلد العربي إلى بلدهم لما كانت موازين القوى لا تميل لصالحهم في بداية الحرب الأهلية اللبنانية، كما أن هذا الواقع اللبناني ـ السوري يغص بالكثير من العوامل الأخرى السياسية والجغرافية والاقتصادية والاجتماعية التي تقتضي وقفة جادة في أروقة معظم الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية، التي هي بالأساس لا ترقى إلى مستوى الأحزاب السياسية الاعتيادية لأنها تقوم على التمثيل الطائفي كما أسلفنا الذكر، ومراجعة تاريخية للعلاقة بين البلدين وفتح حوار مباشر مع القيادة السورية بهدف وضع الأسس الصحيحة لتلك العلاقة التاريخية التي تجمع البلدين.

الحقيقة الثانية تتعلق بالوجود الفلسطيني على أرض لبنان والذي تتعامل معه الكثير من القوى والأحزاب اللبنانية كشماعة أيضا تعلق عليها ما تشاء وكما تشاء وفي اللحظة التي تريد.

والحقيقة هي أني كنت متردداً حيال استخدام عبارة «العنصرية اللبنانية ضد الفلسطينيين»، إلى أن قرأت مقالة في جريدة السفير اللبنانية تحت هذا العنوان بالذات، الأمر الذي أكد شكوكي حول هذه المسألة الشائكة، إذ أن مراجعة سطحية لتاريخ لبنان الحديث تكفي لإلقاء الضوء على حالة البؤس والشقاء الاجتماعي والسياسي، التي يعاني منها فلسطينيو لبنان، حيث بالكاد هناك قوة سياسية لبنانية لم تأجر وتبطش بلا رحمة بسكان المخيمات، الذين وجدوا أنفسهم هناك عنوة بعد أن طردوا من ديارهم على يد التحالف البريطاني اليهودي الذي شن عام 1948 حرباً لا هوادة فيها ضد الشعب الفلسطيني وأقام الدولة العبرية على أنقاضه.

وبالتالي، فإن على الجهات اللبنانية كافة أن ترفع يدها عن المخيمات وتتوجه إلى المحافل الدولية المعنية بأمر هؤلاء اللاجئين المغلوب على أمرهم.خلاصة القول ان مشكلة لبنان ليست مع فلسطين أو سوريا أو أي بلد عربي آخر، مشكلة لبنان تكمن في طبيعة نظامه السياسي، وبوجود الدولة العبرية عند خاصرته الجنوبية واحتلالها لجزء من أراضيه، فضلاً عن ارتباط تلك المشكلة بالمصالح الغربية في لبنان والمنطقة عموماً.

bassil@albayan. ae