يأتي انعقاد القمة السنوية التاسعة للاتحاد الإفريقي، التي استضافتها غانا في الأول من يوليو الحالي وحتى الثالث منه، في وقت تشهد فيه القارة العديد من الصراعات والمصاعب الأمنية والاقتصادية والصحية.
لكن حرص القادة على انتظام قممهم وفي نفس موعدها السنوي وبمشاركة جميع الدول الأعضاء، منذ إنشاء الاتحاد وقبله في إطار منظمة الوحدة الإفريقية طوال عمرها الممتد قرابة أربعة عقود منذ إنشائها عام 1963 وحتى قيام الاتحاد، يعتبر في حد ذاته انجازا عجزت عنه منظمات إقليمية أخرى، مثل جامعة الدول العربية التي لم تتفق على موعد محدد لقممها إلا منذ بضع سنوات.
وما زالت كل قمة لها تمثل معضلة في التوقيت وفي جدول الأعمال، وحتى في حجم الحضور ومستواه!
غير أن إفريقيا مضت ابعد من ذلك بكثير، فبعد أن تحولت من «منظمة» قارية إلى «اتحاد» بين أعضائها، ها هي تجتمع اليوم والموضوع الأساسي على جدول أعمالها هو بحث السبل والوسائل الكفيلة بانتقال دولها ال53 إلى «ولايات متحدة»، بقيادة موحدة وجيش واحد وعملة مشتركة.
ورغم المصاعب الكثيرة والعقبات الداخلية والخارجية التي ما زال من الصعب تجاوزها في هذه المرحلة، إلا أن بحث الموضوع بهذه الجدية وعلى أعلى المستويات والإجماع (ولو مبدئيا) على أنه هدف نهائي يسعى الجميع من أجل الوصول إليه، يدل بوضوح على وجود وعي وإدراك من قبل قادة إفريقيا وشعوبها لمنطق العصر وضروراته التي تحتم توحيد القوى وإقامة التكتلات المؤثرة، حيث لم يعد في عالم اليوم مكان للأجزاء أو موقع للمجزئين الضعفاء.
وقد عبر عن هذا الإدراك بوضوح وزير خارجية غانا الدولة المضيفة حين صرح بأن «قارة تجمع مواردها وتتحدث بصوت واحد ستحظى باحترام أكبر في العالم»، كما أكد ذلك ممثلون عن المجتمعات المدنية الإفريقية بالقول «إن إفريقيا في حالتها غير الاتحادية الحالية، لن تستطيع أبدا المنافسة على قدم المساواة مع التكتلات الاقتصادية الكبيرة والقوى الأخرى..». وقد وجه نحو 100 منظمة من أنحاء القارة بيانا إلى القمة يناشدون قادتهم «الإسراع ببناء قارة افريقية أكثر تماسكا ولها حكومتها القارية الخاصة».
وهذا الزخم الرسمي والشعبي في اتجاه التكامل وتوحيد الجهود، لم يقتصر على الساسة ومنظمات المجتمع المدني، بل انضم إليه الاقتصاديون والمستثمرون الأفارقة من القطاعين العام والخاص، من خلال إنشاء «صندوق تطوير البنية التحتية في كل إفريقيا» الذي أعلن رسميا يوم الأحد الماضي، بهدف تمويل بناء طرق سريعة وسدود لتوليد الكهرباء وغيرها من مشاريع البنية التحتية «من خلال صندوق للقارة يدعم بالأموال فكرة إفريقيا أكثر اتحادا».
فالتنوع العرقي وتعدد الثقافات والانتماءات الإثنية والعقائدية وكثرة اللغات المختلفة التي تمثل 33% من اللغات الحية في العالم، كل ذلك لم يمنع إفريقيا من التركيز على عوامل التواصل والتكامل وتعزيز المصالح المشتركة بين شعوبها، بدلا من الاستسلام لأسباب الفرقة ونوازع التشتت.
ورغم كل العراقيل والعقبات. فإفريقيا، سواء في إطار منظمتها السابقة أو من خلال اتحادها الحالي، ظلت تحرص على السير إلى الأمام حتى ولو كان سيرا بطيئا، وان توقفت عن السير لظروف اضطرارية فإنها في أسوأ الأحوال تظل متمسكة بموقعها ولا تقبل التراجع إلى الوراء.
على الجانب المقابل، نرى أن الدول العربية تجمعها لغة واحدة ويربطها تاريخ مشترك وينتمي أغلبها لدين واحد وكلها تنتمي إلى الديانات السماوية، ورغم ذلك تصر على السير في اتجاه معاكس، ليس للمسار الإفريقي فحسب وإنما لمسار التاريخ ومنطق العصر وضروراته الملحة.
بل إن الدول العربية، بدلا من البحث عن مسار للتوحد أو مجرد التقارب، بدأت مناعتها الداخلية تتآكل وأخذت قدرتها على المقاومة تتضاءل أكثر فأكثر في مواجهة سرطان الانقسامات والتفكك. فبدلا من لبنان الواحد وفلسطين الموحدة والعراق الجامع لكل العراقيين، أصبح هناك لبنانان وفلسطينان وعراقات متعددة وصومال ممزق، والآفاق مقلقة في السودان وغير مطمئنة من شمال الجزائر إلى جنوب موريتانيا، وفي أكثر من بلد عربي آخر!
ليست العلة في تاريخ العرب ولا في إمكاناتهم الكثيرة أو قدراتهم الكامنة على التكامل والتوحد، لكن عرب اليوم لم يستطيعوا استلهام التاريخ ولا مواكبة الحاضر واستيعاب متطلباته. لكن التقصير ليس حكرا على السياسيين وحدهم، فمسؤولية العجز والانكسار مشتركة بين الجميع، من مثقفين وسياسيين ورجال أعمال ومجتمع مدني.
فهل آن الأوان لنظرة عربية مستقبلية يشترك في صنعها الجميع، تستلهم دروس الماضي وتتجاوز عقبات الحاضر وعجزه، وتؤسس لمستقبل يليق بأمة حية تعيش عصرها وتبني للآتي من أبنائها وأجيالها القادمة؟