فقدان الثقة وعدم المصداقية اللذان تعاني منهما الإدارة الأميركية الحالية في علاقتها بالرأي العام الأميركي في الداخل والرأي العام العالمي في الخارج بسبب السياسة الخارجية الأميركية قصيرة النظر أحيانا والتي تتسم بالغباء غالبا لهما ما يبررهما، بسبب سياسة العداء التي تنتهجها تلك الإدارة لمعاني الحرية والديمقراطية والاستقلال لشعوب العالم من أجل الاستقلال والحرية والديمقراطية باسم الاستقلال ونشر الحرية والديمقراطية.
وبهذا تحولت تلك السياسة إلى شاهد زور على غالبية الشعب الأميركي الرافض لتلك السياسة التي أضرت بالصورة الأميركية وبالمصالح الأميركية إلى حد يصعب ترميمه، وعلى القيم الأميركية الحرة التي تضمنتها وثيقة الاستقلال الأميركية عن الإمبراطورية البريطانية عام 1776 وأفرغتها من مضمونها بل وانقلبت عليها، ليس فقط فيما يتعلق بحقوق ومصالح شعوب العالم بل بحقوق ومصالح الشعب الأميركي ذاته.
وليس أدل على ذلك من تدني شعبية الرئيس بوش الابن إلى 23% فقط وهو أدنى مستوى من هبوط الشعبية لرئيس أميركي طبقا لنتائج آخر الاستطلاعات الصحافية الأميركية قبيل ذكرى الاستقلال الذي يصادف الرابع من يوليو، والذي تخيم عليه، هذا العام أكثر من كل الأعوام، أجواء قاتمة من المظالم والعزلة والخسائر والإخفاقات في الحروب.
بينما الشعب الأميركي الجدير بإدارة أفضل من تلك التي قادته إلى التورط والفشل واكتسبت له العداء والكراهية لانقلابها على القيم الأميركية أولا والإنسانية ثانيا يحق له الاحتفال بالاستقلال في ظل الحق في الاستقلال والحرية لكل شعوب العالم الأكثر قيمة والأعلى من كل المباني، بعد أن أقام أكبر حضارة للمباني والتكنولوجيا المعاصرة برمز تمثال الحرية وجعل منها أقوى قوة عسكرية في التاريخ.
ومشكلة هذه الإدارة مع الشعب الأميركي ومع شعوب العالم أنها قلبت المعايير وانقلبت على القيم بأن أعلت المباني وداست على المعاني، وجعلت القوة فوق الحق بدلا من توظيف قوتها الجبارة في إحقاق الحقوق الإنسانية في الاستقلال والحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية.
وليس هناك صور أوضح من الاحتلال الأميركي التقسيمي التدميري الدموي في العراق وأفغانستان والصومال باسم التحرير، والانحياز العدواني الأعمى للاحتلال الصهيوني الإرهابي في فلسطين وللعدوان الإسرائيلي الإجرامي على لبنان باسم محاربة الإرهاب، والتدخلات العسكرية والسياسية في السودان وسوريا ولبنان بهدف زرع الفتن وإثارة الحروب الأهلية وتعميق الانقسامات الوطنية ونشر الفوضى الهدامة باسم نشر الديمقراطية، وفظائع الاغتيالات والاختطافات والاعتقالات والتعذيب بغير تهم أو محاكمات سواء في معتقل غوانتانامو أو في سجن أبوغريب أو في السجون السرية الأوروبية باسم الدفاع عن حقوق الإنسان، دلائل .
وشواهد على تزييف هذه الإدارة لهذه المعاني وازدواج المعايير في التعامل مع القضايا العربية والإسلامية بل والإجرام في حق الشعب الأميركي وحقوق الشعوب بانتهاك هذه القيم والمعاني بصورة وحشية وغير إنسانية نابعة من الطبيعة المتوحشة اللا إنسانية للرأسمالية التي يقودها الآن في أميركا تجار الحروب بمبدأ «النفط مقابل الدماء» بما يرسم السياسة الاستعمارية الأميركية بالتحالف مع قوى التبعية في الشرق والعدوانية في الغرب.
واللافت للنظر أن المعاني التي زيفت والقيم التي انتهكت والمعايير التي قلبت ترافق معها انقلاب المعادلات والموازين السياسية والعسكرية والدولية خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية وبروز أميركا القوية بسياستها الإمبراطورية وأطماعها في وراثة نفوذ القوى الاستعمارية التقليدية البريطانية والفرنسية في الشرق.
وعلى الأخص بعد انتهاء الحرب الباردة بإعداد استراتيجية القرن الأميركي وتفتح شهية وحيد القرن كأقوى قوة غاشمة في العالم لمحاولة الهيمنة على الغرب أيضا، فسقطت السياسة البريطانية خصوصا في عهد بلير الماضي طوعا والفرنسية في عهد «ساركوزي» الآتي جبرا في دائرة النفوذ الأميركي.
ليطرح في أوساط الشعب البريطاني السؤال الكبير في يوم الاستقلال الأميركي عن بريطانيا.. ومتى يوم الاستقلال البريطاني عن أميركا؟!