كتبنا وغيرنا عن مواقع الضعف في الدستور الكويتي، وعن المطبات التي سمح لها الدستور أن تلعب دوراً مزعجاً في ممارسة السياسة في الكويت، وكتب الكثيرون عن ضرورة النظر في اللائحة الداخلية التي استفاد من مرونتها كثير من الأعضاء في تنفيذ الأجندة الخاصة بهم، وكتب الآخرون عن مقام الرئاسة وسطوتها وتأثير دورها المميز في نزع فتيل الأزمات، ومع ذلك واصلت المسيرة السياسية الكويتية النهج المعروف التي اعتدنا عليه في إفراز الأزمات الداخلية وبشكل متواصل.
لا نستطيع القول بأن الحالة الكويتية الراهنة اعتيادية وأمورها طبيعية، بعد أن شاهد الرأي العام الكويتي منظر الاستجواب الذي استهدف الشيخ علي الجراح وزير النفط، شاركت فيه أطياف مختلفة من التشكيلة السياسية داخل المجلس..
كان أداء الوزير منسجماً مع قناعاته، وقدم وثيقة فند فيها الاتهامات، لكن الشيخ علي ينسجم في أدائه مع قوانين النقاوة والعفة، لسانه عفيف، وأدبه معروف، ومفرداته مهذبة، وصوته عادي لا يصرخ ولا يولول ولا يثير الزوابع في تحركات جسمانية يغلب عليها التمثيل.
كان عادياً في جو غير عادي، وطيراً ناعماً في جو تتسيد فيه الصقور.. كان الوزير الجراح يمشي وفق الأعراف الاجتماعية وهذه مصيبته، لأن الأعراف الاجتماعية التي يراعيها وغيره في الصالونات والدواوين لا مكان لها في بيئة الاستجواب التي شحنت فيها النفوس وامتلأت الأجواء السياسية بتوقعات لا تعالجها وصفة السلوك المألوف.
كان أمام الوزير مناسبة لأن يشخص وبكل وضوح مسلك المستجوبين الذين كانوا يحاكمون شخصاً آخر غير الوزير، ويرون في الوزير الحالي يافطة يجلس خلفها الوزير السابق الشيخ علي الخليفة، فالكلام ليس لابن الجراح وإنما لابن العذبي، فالصور وحديث الناقلات وتحويل الأموال إلى آخر المضبطة التي قدمها المستجوبون تشير إلى وزير آخر.. كما كان مانشيت صحيفة «الجريدة» «علي الخليفة يسقط علي الجراح» مصيباً وصادقاً، هل يمكن أن يستجوب وزير بهذه الخشونة والصدامية لأنه متداخل في النسب والقرابة مع وزير مطارد وملاحق؟.
وفي حالة الاستجواب الذي كان الجراح فيه ذريعة، لابد من التوقف لتسجيل ملاحظات عن هذه الحالة التي سجلت سابقة سيعاني منها وزراء قادمون إذا لم يتم معالجتها.
أولاً: كنت أتابع بعض اللقطات من التلفزيون الكويتي، واشعر بالحالة التي تم استفراد الوزير فيها، فلا معين ولا نصير، وحتى الذين قدم لهم الوزير خدمات لم يتحركوا لمساعدته.
وليس فقط من بين الأعضاء، وإنما من الوزراء الذين كان يجب عليهم الاعتراض وبقوة على عرض الصور، والوقوف جماعياً لتنبيه الرئيس على ضرورة الالتزام باللائحة وبأدب الخطابة، وبالتركيز على أداء الوزير وليس على سهرات صالون الجيشا الياباني.. كان يجب أن تقف الحكومة متضامنة في الدفاع عن حسن السلوك وحسن الألفاظ وحسن الطرح، فالمسؤولية الجماعية والعقد السياسي الذي يجمع الوزراء يفرض عليهم التحرك في الطلب من الرئيس أن يوقف الخروج عن المألوف في الألفاظ وفي السلوك.
أتذكر في جلسة من جلسات الأمم المتحدة أن أحضر مندوب إسرائيل صوراً يريد عرضها في اللجنة التي تناقش موضوع فلسطين، واعترضنا وأيدنا الرئيس، وسحب المندوب الإسرائيلي اقتراحه، لأن أخطر ما يمكن السماح به تسلل السوابق إلى بيئة المنظمات والمؤسسات، خاصة إذا كانت هذه خارج المألوف والمقبول.
ثانياً: يتساءل الناس أين أعوان الحكومة وأنصارها في المجلس وأين هم النواب الذين يتحركون وحدانا وزرافات ـ كما يقول العرب ـ نحو الوزارات لتخليص معاملات والاستمتاع بامتيازات، كلها غير قانونية، وهل معقول أن تعجز الحكومة عن إفشال مساعي نواب الاستجواب في الحصول على العدد المطلوب، وهي التي تدلل وتجامل وتعطي وتجنس وتسفر وتغدق، وأكثر من ذلك ترحب بالذين يعملون على تقويض مسيرتها؟
قلت لأحد الوزراء بأنني استعرضت أسماء المؤيدين للطرح ومعظمهم من الذين يترددون على مكاتب الوزراء، فما الذي تتوقعون من الآخرين الذين يريدون تأييد الوزير إذا ما وجدوا المجاملات والترحيبات والإغداق على هؤلاء المعارضين.
ثالثاً: كتبت مرة مقالاً عن «قيم الأمير» كما يصف الرحالة الأوروبيون سلوك حكام الخليج في الماضي وما زال بعضهم مستمراً في أهلية «قيم الأمير» وهي المجاملات مع الخصوم وإعطاء الهدايا وتبادل المشاعر والترحيبات وإقامة المآدب في أجواء احتفالية فيها الكثير من الغلاف السياسي.
يمكن القول إن النظام السياسي الكويتي يتعامل مع النواب وفق تلك الوصفة التي حررها الرحالة القدماء، فالنواب يعصفون بالوزراء في المجلس بغطاء شرعي بأن الاستجواب حق دستوري لا يمكن مناقشته، ولهاذ تتوقف الرئاسة أمام الحجة الدستورية، ويتجاوب الرأي العام، فطالما لا يوجد احتمال النظر في معالجة الخلل في الدستور الذي يترك لنائب واحد بإدخال الكويت في أزمات وزارية وحكومية مستمرة، فلا بد من إيجاد حلول من بطن الدستور، وإذا كان ذلك هو الوضع الذي سيستمر، فعلاجه موجود أيضاً في الدستور، وهو الحل الدستوري الذي هو حق للمرجعية السياسية العليا ممثلة في صاحب السمو أمير البلاد.
الحل الدستوري المستمر لن يثير غضب أحد، مثل حالة الاستجواب الدستوري، الذي يعطي النائب حق المواجهة، فالحل الدستوري حق واضح لا يمكن الجدل فيه، والحل الدستوري ليس الذي يتم مرة فقط، وإنما القادر على تطويق الأزمات وترويض المواجهات ويجعل شعاره ما نادى به المغفور له الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد في خطبه «الكويت هي الأصل والباقي فروع».
والمرجعية السياسية العليا هي التي تقدر ظروف الحل و توقيته وظروفه يقيناً منها لحماية الكويت من التعثر.الحق الدستوري ليس للنائب فقط، وإنما هو للأمير سيد الجميع في هذا البلد، المحافظ على أمن البلد واستقراره وازدهاره، ولا يمكن السماح بأن يصاب البلد بالشلل ويمسه الأذى، مع وجود علاج دستوري يحميها من الضرر.
المطلوب أن تتغلب الإرادة الصارمة على نهج التردد الذي كان الأوروبيون يطلقون عليه «قيم الأمير».
في عدد السياسة الصادر يوم السبت 30 يونيو 2007، تقول الصحيفة:
اعترفت وزيرة الصحة د.معصومة المبارك بتلقيها اتصالاً هاتفياً من النائب وليد الطبطبائي حضها فيها على إقالة الوكيل د.عيسى الخليفة وإلا ستواجه استجواباً إسلامياً، وتعلق الوزيرة بأن هذا الأمر حدث مرتين.
من يحمي الوزراء من الابتزاز السياسي؟ ومن يحمي الكويت من التأزيم المستمر؟ ومن يحميها من أم السقطات في بيت الأمة كما كتب د. يعقوب حياتي الذي استنجد بالمادة 49 من الدستور التي تنص على ما يلي:
«مراعاة النظام العام واحترام الأدب واجب على جميع سكان الكويت»®.
وسنرى ما سيعطينا المستقبل.
كاتب كويتي