تدل الطريقة التي تتعامل بها الحكومة الإسرائيلية مع الأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة، وما تقوم به من مناورات في هضبة الجولان السورية المحتلة، وما تروجه بشأن مواجهة البرنامج النووي الايراني على أن لدى القوى الإسرائيلية الظاهرة والباطنة خطة تكتيكية لتعكير أجواء المنطقة خشية أن تجد إسرائيل نفسها أمام إلتزامات قد تفرضها عملية سياسية كبيرة فرضتها حسابات دولية على خلفية الوضع في العراق ولبنان وفلسطين، وعوامل إقليمية أخرى تتعلق بروسيا وايران وتركيا حيث تتعرض الإدارة الأمريكية لحالة من فقدان التوازن في منطقة الشرق الأوسط .
فإسرائيل ورغم المشاورات والاتصالات مع أطراف عربية ودولية تريد أن تستفيد من الانقسام الفلسطيني إلى أقصى درجة بحيث تكون غزة قاعدة"للتطرف الديني " الذي يستوجب مساندة إسرائيل في الحرب الدولية على الإرهاب، وتريد إضاعة الفرصة على السيد محمود عباس وحكومة سلام فياض لإعادة تنظيم الشؤون العامة في الضفة الغربية كمقدمة لتهيئة بنية تحتية لنواة مشروع الدولة الفلسطينية القابلة للحياة التي تحدث الرئيس جورج بوش عنها، والتي أصبحت اليوم ضمن أدبيات اللجنة الرباعية الدولية التي تضم بالإضافة إلى الولايات المتحدة روسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة .
ويبدو أن دعوة الرئيس الفلسطيني لإرسال قوات دولية إلى غزة لا تحظى بقبول إسرائيلي وإن كانت تظهر تعاونا محدودا ومشروطا بشأن المساعدات الإنسانية وتواصل تزويد القطاع بالحد الأدنى من المياه والكهرباء والمحروقات، وهي تعمل الآن على ثنائية لئيمة تستفيد منها لتضليل الرأي العام الدولي الذي سيعتقد بأن عمليات القتل الجماعي التي تقوم بها مفهومة ومشروعة من زاوية أن الجماعات التي تلاحقها هي جماعات مرفوضة من المجتمع الفلسطيني نفسه كما هو الحال في مخيم نهر البارد في لبنان مثلا ، وللأسف فإن هذا النوع من التضليل يجد صدى في معظم الأوساط الغربية.
التضليل الإسرائيلي لا يقف عند حدود ، وحتى الترحيب بعقد لقاء بين عباس واولمرت بحضور اللجنة الرباعية الدولية دون إعطاء أي شيء للفلسطينيين تستطيع استغلاله لتقول نحن جاهزون حين يكون الفلسطينيون جاهزين، وذلك أمر طبيعي فما دامت الخلافات الفلسطينية تتيح لها تلك الفرصة فلماذا تستغلها خاصة وأن إسرائيل تواجه أزمات سياسية داخلية ولديها أضعف رئيس وزراء في تاريخها ومجتمعها السياسي ممزق ويترصد بعضه بعضا في لعبة الصراع على السلطة .
أما توقيت المناورات على الجبهة السورية والقول بأن سوريا تخطط لحرب ضد إسرائيل بالتعاون مع ايران وحزب الله، فذلك كله مربوط بالمعادلة الأمريكية المختلة ومحسوب ضمن مفهوم الحاجة المتبادلة لكل من امريكا وإسرائيل بعدما ساداعتقاد بأن الولايات المتحدة الموجودة في المنطقة بقواعدها العسكرية وقواتها العاملة لم تعد بحاجة لإسرائيل بل إن هناك من الأمريكيين من يقول إن أفضل مساعدة تقدمها لنا إسرائيل هي ألا تساعدنا، ومع ذلك فإن الحسابات الإسرائيلية الراهنة تقسم وتجمع على فكرة واحدة تقول بضرورة اللعب بالأوراق الفلسطينية والإقليمية وكل الورق المكشوف على الطاولة شريطة أن تظل الرابح الوحيد ، ولعل في ذلك تفسيرا لسياسة التعقيد التي تمارسها في هذه المرحلة .
