في جامعة الحياة الكبرى في الحرب والسلام، في السياسة والاقتصاد، في المعاملات والعلاقات، في المدرسة والملعب ساحة امتحان خطير للقدرات والإرادات يكرم الإنسان بعده أو يهان، وسوق تعاملات كبير للقيم وللمهارات يقام ثم ينفض ليربح فيه من يربح ويخسر فيه من يخسر، و مباراة عالية التحدي والإثارة بين الناس أو لعلها ميدان صراع جبري كبير بين نقيضين، الخير والشر، والعدل والظلم، والحق والباطل، وقدر الجميع أن يصارع.
وفي ساحة الحرب فإن للجنرال «جياب» قائد المقاومة الفيتنامية الذي دوخ الجيش الأميركي وأجبره على التفاوض والمعارك دائرة، وعلى الانسحاب بعد سيطرة المقاومين على السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء في «سايجون»، ومن قبله هزم الجيش الفرنسي في معركة «ديان بيان فو» الشهيرة مقولة شهيرة: «قد نخسر تسع معارك لكننا علينا أن نكسب الحرب في المعركة العاشرة» .
هكذا يجب أن يفكر الإنسان عموما في معارك الحياة، وهكذا يجب أن يسلك أصحاب الحقوق المناضلين في حرب استعادة الحقوق الوطنية لإجبار الغزاة المحتلين على الانسحاب والتسليم بإرادة الحرية والاستقلال للشعوب. وليس العار في أن تهزم ولكن العار في أن تستسلم.
وقد يمكنك فائض القوة أو الذكاء أو فائض الضعف أو الغباء لدى غيرك من الوصول إلى النصر أو النجاح بالحق أو بالباطل، لكن غرور القوة قد يغريك بالغفلة عن أخذ الحيطة في حمايته فتقع في الفشل، وليست الحياة سوى سلسلة من النجاحات والتجارب الفاشلة يوم لك ويوم لغيرك، وعليك أن تتعلم منها وتصمم على النجاح من جديد. والنجاح له شروطه الذاتية والموضوعية والفشل له أسبابه الذاتية والموضوعية أيضا، وإن لم تضع هذه الأسباب والشروط في ذاكرتك لن تستطيع أن تتجنب الوقوع في الفشل أو الصعود إلى النجاح.
على أعتاب خطواتنا الأولى في مدارسنا الأولى قال لنا أساتذتنا «إن تذاكر تنجح» وبطبيعة الحال لم يكونوا في حاجة بعد ذلك للقول ما هي النتيجة الطبيعية لمن لم يذاكر علومه ليعلم ودروسه ليتعلم، وكلما أخفق أحدنا في مادة أو في امتحان نصف العام، قال لنا آباؤنا: «الأهم ألا تخفق في بقية المواد وأن تضاعف الجهد لكي تنجح في الامتحان النهائي في كل المواد وقال لنا معلمونا، «ليس المهم في أن تخفق مرة، ولكن الأهم ألا تستسلم للفشل».
وعلى حلبة الملاكمة مثلا ليس المهم أن يسدد منافسك لك الكثير من الضربات العنيفة والمؤلمة غير المحسوبة، ولكن الأهم أن تستطيع أن تسدد إليه ما هو أكثر من النقاط حتى ولو كانت ضرباتك أقل عنفا وأقل عددا وأقل إيلاما، وليس المهم أن تخسر جولة أو أكثر ولكن الأهم أن تكسب المباراة.
وليس معيبا أن تسقط مرة بل عدة مرات بتأثير ضربات الخصم القوية ولكن المعيب حقا أن تستمرئ السقوط وألا تصر على النهوض من جديد، وتذكر كثيرون من الرياضيين العظام مثل الملاكم الأسطورة «محمد على كلاي» لم يخسروا مباراة فقط بل فقدوا عرش البطولة، لكنهم بثقة المؤمنين وبالاستجابة للتحدي وبالتصميم على إحراز النصر، تعلموا وتدربوا واستعادوا اللقب من جديد.
وفي مدرسة الحياة بل في جامعتها الكبرى الكثير من التجارب والدروس من تجارب النجاح والفشل، والعسر واليسر، والفقر والغنى، والصحة والمرض، والمعاناة من ظلمات الظلم سواء ظلمك لنفسك أو لغيرك أو ظلم الآخرين لك، بعض إخفاقاتك ومعاناتك لها أسباب تتعلق بك وعليك تصحيحها، أو أسباب تتعلق بظروف لا إرادة لك فيها، أو لا قدرة لك عليها، وعليك أن تصبر وتدعو وتواصل السعي واثقا من أن دوام الحال من المحال، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن لكل ليل صبحاً، فإن مع العسر يسرا.
وليست العبرة في النهاية بأن تكسب أو تخسر أولا فإن للباطل جولة، بل العبرة في أن تكون ذكيا ونبيلا في اتخاذ موقفك في هذا الصراع مع الحق ضد الباطل ومع الخير ضد الشر ومع العدل ضد الظلم .. ليس المهم أن تسقط مرة ولكن الأهم أن تنهض بعد السقوط على هذا الأساس كن على ثقة بأنك الكاسب الكبير في النهاية حين يتحدد الفائز الحقيقي مع صافرة الحكم الأكبر بانتهاء المباراة بين الحق والباطل، ومع إعلان النتيجة النهائية في جامعة الحياة وفي نهاية الحرب بين الخير والشر.