«هنا المحطة الوطنية لجزر المالفيناس». هكذا سمع سكان الأرخبيل الانجليز إعلان البيان الأول وباللغة الاسبانية،حالما وطأت أقدام الجيش الأرجنتيني اليابسة، وبدأ العودة لكل ما هو اسباني وتغيير اللغة الانجليزية على المناطق الرسمية بما فيها الإذاعة المحلية. وقد تفجرت الحرب عام 1982، حيث شهدت بداية الثمانينات طفرة ونموا في السياحة واستثمار المصائد السمكية مما أثار شهية العسكر وحرك نزعتهم العسكرية وكبرياءهم القومي.

عندما احتلت بريطانيا جزر المالفيناس عام 1833، لم يكن في ذهنها أن تلك المساحات اليابسة وما حولها من مياه تختزن ثروة كبيرة من النفط والذهب والألماس والثروة السمكية الهائلة، فالأساطيل العابرة كانت بحاجة إلى راحة قصيرة ومواقع لوجستيكية تربط ما بين المحيطين عبر مضيق ماجلان، غير أن تراجع مكانة الانكليز في أميركا اللاتينية وانحسارها في الحوض الكاريبي، افقدها دولا كانت تتوق إلى موقع قدم فيها، محتفظة بنقاط ارتكاز بعيدة في القطب الجنوبي.

هذه الاستمرارية للسيطرة سرعان ما فجرت حرب 1982 وتم هزيمة الطغمة العسكرية الأرجنتينية خلال حرب استمرت 74 يوما، والتي تم محاكمة قادتها عام 1988 وحكموا لمدة 12 عاما بسبب الهزيمة النكراء، وكانت بريطانيا ستخسر حرب الفوكلاند لولا المساعدات الأميركية الضخمة. فقد كشف وزير البحرية الأميركي السابق جون ليهمان النقاب عن المساعدات العسكرية الأميركية الضخمة والتي لولاها لخسرت بريطانيا الحرب.

هذا الكشف جاء بعد ست سنوات من الحرب، وترافق مع محاكمة القادة المهزومين في بوينس ايرس. وكلما دخلت الأرجنتين في ذكرى المناسبة السنوية للحرب تتأجج رائحة الكبرياء الوطني في داخلها فتلوح بنواياها الخفية والمشروعة، ففي الذكرى العاشرة للغزو قال الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم في كلمته «عاجلا أم آجلا .

وربما قبل عام 2000 سنستعيد جزر المالفيناس دون أن نريق قطرة دم واحدة «مثل ذلك الخطاب لم يكن خاليا من الأبعاد الإستراتيجية للرئيس والديماغوجية، الذي يدغدغ بها المشاعر القومية للشعب الأرجنتيني المجروح في كبريائه المهزوم، وإنما أيضاً مذكرا الذين هزموه في الحرب أن بالإمكان الجلوس إلى طاولة المفاوضات دون انقطاع.

وبذلك لا تعرف سياسة الضغط والمطالبة المستمرة بحقوق تاريخية مشروعة أية حالة استرخاء أو نسيان وإنما طرق أبواب عدة كلما تصاعدت رائحة النفط والثروة في الأرخبيل. وقد استأنفت الأرجنتين وبريطانيا العلاقات الرسمية كاملة في عام 1990 مؤكدا الرئيس منعم عن وجود علاقات جديدة مع أعداء الأمس، حين أشار في كلمته (لقد كنا مع المملكة المتحدة في حرب الخليج، وما زلنا حلفاء معها في يوغسلافيا، غير أن ذلك لا يخفي رغبة السيادة على الجزر أو تسوية شؤونها جزئيا).

وعلى ضوء تلك التوجهات الأرجنتينية الجديدة لحكومة كارلوس منعم اتفق الرئيس مع رئيس الوزراء البريطاني السابق جون ميجور إجراء محادثات في سبيل تسوية النزاعات حول الجزر، وكان ذلك الاجتماع في 15/12/95 في مدينة مدريد، كذلك تطرقا في المباحثات إلى أهمية مسألة التعاون المشترك في عمليات التنقيب عن النفط وصيد الأسماك في منطقة جنوب المحيط الأطلنطي.

ولم تمض سنة واحدة من مفاوضات مدريد - ونيويورك حتى كشف النقاب عن وجود خطة سرية بمثابة الصفقة، تهدف إلى تجهيز البحرية الأرجنتينية مقابل إبرام اتفاق للتنقيب عن النفط حول جزر الفوكلاند، وتم تشكيل لجنة أرجنتينية - بريطانية مشتركة للإشراف على عمليات التنقيب واقتسام الإيرادات فيما أطلق عليها منطقة التعاون التي تمتد لمسافة 18 ألف كيلومتر مربع.

ويقضي الاتفاق - والذي حظي بتشجيع كبير من الحكومة الأميركية- ضمنا بأن لا تعرقل الأرجنتين أي عمليات تنقيب في المنطقة المحيطة بالجزر، وتم دفع ضرائب ورسوم على الشركات العاملة في التنقيب قدرها 3% مقابل تسهيلات على اليابسة، وكأنما الأرجنتين تضع أصابعها بالتدريج في الجحر البريطاني.

وقد ذكرت حكومة الأرجنتين أن اتفاق نيويورك يشكل تقدما هاما في أحقيتها بالسيادة على جزر المالفيناس. ومن الجدير بالذكر أن عملية الدفاع عن الجزر تكلف بريطانيا سنويا أكثر من 80 مليون جنيه إسترليني لسكان عددهم ثلاثة آلاف نسمة، هذا الوضع المكلف ماليا على الخزينة البريطانية، لم يصرف إن لم يكن هناك مردود مالي وسياسي وعسكري، أقلها الأفق المستقبلي للمخزون الهائل من الثروة المتنوعة، فهي كثيرا ما تسبب التوتر وتعرض المنطقة والقارة لصدامات عنيفة.

ولم يلتفت العالم في منتصف يونيو المنصرم للدروس التاريخية لذلك الأرخبيل المحتقن، إلا عندما أعاد للأذهان الرئيس الأرجنتيني نيستور كيرشنر في خطابه بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لنهاية حرب الفوكلاند قائلا: «إن بريطانيا حققت نصرا استعماريا في حرب الفوكلاند، التي لم تكن مقبولة في نظر العالم، متعهدا باستعادة الجزر بالسبل السلمية» ودون أن ينسى أضاف: «إن بريطانيا قد كسبت الحرب لأنها قوة دولية، لكنهم لن يفوزوا بقوة المنطق والعدالة». خطبة عصماء تبحث عن الحق الضائع، ووضعا بريطانيا مزريا في اللحظة الراهنة ضد الحرب في العراق وأفغانستان.

ربما تراهن الأرجنتين على متغيرات دولية وإقليمية جديدة تبدلت خلال ربع قرن، ولكن هل يراهنون على متغيرات ومصالح بريطانية عليا أن تتبدل بالسهولة المتوقعة؟، فقد كان حاضرا مجد القوة العظمى في احتفالات الذكرى بمجد بريطانيا في بانجبورن القريبة من لندن، حيث نصب جزر الفوكلاند، نصب النصر وتخليد ذكرى 255 جنديا سقطوا في الحرب، بينما سقط من الارجنتينيين 650 جنديا.

وقد كانت تاتشر حاضرة تستمتع لخطب مجدها، بينما كان بجانبها بلير يودع الحكومة، حاملا خيبة أمل كبيرة في حرب العراق. نفط هنا ونفط هناك دم نزف في الفوكلاند، ودم أغزر ينزف في العراق تحت ذرائع متعددة. يبقى السؤال الأهم أن التسلح الأرجنتيني موجه إلى أين؟

طالما أن الرئيس منعم قال عام 1992:«إنهم سيستعيدون الجزر دون قطرة دم واحدة !» فهل تحدث الطرفان الأرجنتيني والأميركي حول مسألة الجزر ودخول شركات نفطية أميركية في عمليات التنقيب؟ فالعراب، تهمه المصالح العليا للولايات المتحدة الأميركية في تلك القارة، وهو مستعد على تقاسم الكعكة مع الحلفاء والأصدقاء، ويدخل شريكا في التنقيب مع الطرفين.

كاتب بحريني