نشرت جريدة «الشرق الأوسط» الصادرة يوم الجمعة 29/6/2007م، خبراً خلاصته: أن حكومة إسرائيل فرضت على المحال التجارية كبيرها وصغيرها أن تستعمل اللغة العبرية فيما تعلن، وأن تكتب إعلاناتها بحروف عبرية بارزة، تملأ بصر القارئ، وهددت كل شركة مخالفة، وكل محل لا يلتزم القانون بسحب الترخيص والإغلاق.
استوقفني الخبر، فأعدت قراءته بعين الإعجاب مرةً، وبعين الارتياب أخرى: أما الإعجاب ـ والفضل ما شهدت به الأعداء ـ فناجم عن وقوفي على سر من أسرار القوة الذاتية التي تعتصم بها هذه الدويلة، وهي ـ كما يعلم القارئ علم اليقين ـ جزيرة عبرية يهودية صغيرة، في بحر عربي كبير، يكنفه محيط إسلامي أكبر منه، والناطقون بلسان هذه الجزيرة لا يعادلون واحداً من مئة من الناطقين بلغة البحر العربي، بله المحيط الإسلامي!!
وهؤلاء الناطقون بالعبرية كانوا قبل أن تسوقهم أساطيرهم التاريخية، وأطماعهم العصرية إلى فلسطين كانوا أوشاباً من شعوب تتكلم أوشاباً من لغات: من إنجليزية (واشنطن) إلى روسية (موسكو). فما الذي زرع في ألسنتهم هذه اللغة السامية العتيقة، وهم عاجزون عن نطقها بالشكل الصحيح الفصيح؟
بلا أدنى ريب نستطيع أن نقول: لقد زرعها في ألسنتهم التعلق بالعقيدة، والإخلاص للأساطير، والرغبة في الحفاظ على الوحدة، والحرص على تذويب الفروق الوافدة من أقطار الأرض لصنع مجتمع متجانس المفاهيم موحد القيم، متكامل الأعراف، لأن اللغة الواحدة كفيلة بأن تصنع هذه الوحدة على اختلاف مظاهرها الاجتماعية والثقافية والدينية. هذا هو سر الإعجاب.
أما سر الارتياب فناجم عما ألاحظه في الوطن العربي عامة، ومنطقة الخليج العربي خاصة، وما ألاحظه ليس سراً مغلقاً يحتاج إلى ذكاء يكتشفه، ولا لغزاً يعوزه خبير بصير يفسره، وإنما هو ظاهرة محلية، يجهز بها كل شارع، ويطالعك بها كل إعلان، ويحدثك عنها كل كتاب ترسله إليك كل شركة من الشركات الأجنبية، وتطبعها على عينيك بحروف من الكهرباء، كل دعاية لكل سلعة من زجاجات الماء المشروب إلى السيارة الفخمة الركوب:
كأني في بلاد لست منها
إذا وقعت على بصري الحروف
وكيف أفرُّ منها وهي حولي
تطوف حيث أنظر أو أطوف؟
لقد زاحمت الانجليزية الدخيلة عربيتنا الأصيلة حتى كادت تزحمها، وحتى أصبح الناطق بالعربية غريبا في وطنه لا يستطيع أن يساوم على سلعة في السوق، ولا أن يخاطب موظفاً في شركة إلا بالإشارة ولغة الصم البكم، أو بالاتكاء على ترجمان:
ملاعب جنة لو سار فيها
سليمان لسار بترجمان
وأسوأ ما يسوؤك أن ترى في المستشفيات والمراكز الصحية العجائز والشيوخ من أمهاتنا وآبائنا ممن لم تتح لهم أصالتهم أن يرطنوا بلغة (لندن) و(واشنطن) أن تراهم غرباء في الأرض التي ولدوا فيها. لقد فرض تنكرنا للغتنا على هؤلاء الأبرياء الإحساس بغربة قاتلة، تحملهم على أن يدوروا بين الأقسام والغرف. وأن يسألوا الممرضات والأطباء لعلهم يجدون من يدلهم على ضالتهم فلا يجدون ما ينشدون إلا بعد عناء وشقاء وإضاعة للوقت وإحساس بالمقت.
حينما أشاهد هؤلاء الطيبين والطيبات اسأل نفسي أهذه البلاد لنا أم للوافدين؟ وهل واجبنا أن نعرب الغرباء، أم أن نعجم الأقرباء؟ ومن أصحاب السيادة والكلمة العليا؟ أنحن الذين نرطن بلغة الخدم، أم الخدم الذين يفرضون علينا لغات ما نزل بها كتاب ولا صلي بها في مسجد؟ وهل من البر بالوالدين أن نترك آباءنا وأمهاتنا غرباء أشقياء يتلاعب بهم الغريب ويسخر من كلامهم الهجين والدخيل؟؟
لو اقتصر البلاء على الزراية بشيخ عجوز لهان الخطب، والتمسنا للموظفين الوافدين عذراً، يسوغ الجهل، ويتعمد الذنب بالعفو، لكن الأمر أكبر وأخطر، والخطر أدهى وأعتى. إنه الانقضاض على القلعة الأخيرة التي تعتصم بها هذه الأمة. فمتى نقبت أسوارها اقتحمتها أمواج العولمة العاتية، فاجتاحت ما وراءها من تراث وقيم وخلق ودين، وما تحميه من أعراف وتقاليد ومثل، وخلفتها وراء غثاء يبتلعه رمل الشواطئ.
أقول: إنها القلعة الأخيرة لأن قلاعنا الأخرى سقطت من سنين، فلو كانت لنا صناعة متقدمة كصناعة اليابان. أو اقتصاد مزدهر كاقتصاد الصين، أو نواة متفجرة كنواة إسرائيل لوجدنا في الصناعة، أو الاقتصاد أو الذرة ما يعصمنا من الانهيار والاندثار، غير أن القلعة الوحيدة التي نستطيع ان نرابط خلف اسوارها، وننشر من ورائها تراثنا على ألف ألف مسلم هي اللغة العربية التي نعاديها كأننا المقصودون بقول الشاعر:
فنحن من أمة أغرى أظافرها
كيد الفرنجة في تمزيق ماضيها
ما ساورت معولاً أيدي أواخرها
إلا لتهدم ما شادت أواليها
ولا رأت آفة في الغرب تهلكها
إلا اقتنتها وعافت ما يعافيها
قد تقول: وما الحل بعد أن طغى السيل، وعم الويل، وأصبحنا من ركب الحضارة في ذيل الذيل؟ ليس الحل أن نكتب مقالة في جريدة، ولا أن نبث حديثا في قناة، ولا ان ننشئ جمعيات من البكائين على أطلال اللغة العربية، فهذه حلول المنهزمين. الحل يكمن في سطرين، يصدرهما مسؤول، ينصان على أن العربية لغة الدولة في الدوائر والشركات والمشافي والمدارس، وعلى أنه لا يقبل في الوظائف إلا من يحسن هذه اللغة كتابة وقراءة، ونطقاً حينئذ، وفي بضع سنين، تسترد العربية سيادتها، وتحمى هذه السيادة بتشريع راسخ، لا يستطيع أحد أن يعارضه، أو يناقضه.
كاتب إماراتي