لم تنجح الديموقراطية، ولم تفشل الدكتاتورية في الوطن العربي، وما قاله جمال الدين الأفغاني "لا يصلح لهذا الشرق إلا مستبد عادل" كان صيغة تستشرف أن نظام الغرب الديموقراطي غير قابل للتطبيق، وأن هذا المحيط الجغرافي والتاريخي أسقط كل العوامل في وضعه على لائحة العالم المتقدم بعد حضارته العظيمة، لأن المشكل ليس بالموروث الثقافي، ولا بالعقيدة الدينية، أو أي (مَصءلٍ) نأخذه كحصانة من عدوى أمراض التاريخ، ومآسي العصر الراهن، وإنما في بنية هذا الإنسان الذي عجز عن أن يتوافق مع نفسه، حتى يتجاوز أو يتقابل مع الآخر على قاعدة الإقناع لا رفع السيوف في الوجوه.
تجربة مريرة منذ هزيمة 1948م وحتى الهزيمة الأخلاقية في فلسطين والعراق، ولبنان والسودان، عندما تحول النمط السائد، والموروث من دكتاتوريات الأحزاب الديموقراطية الاشتراكية أو صاحب النياشين العسكرية من مهيب، وزعيم، وجماهيري إلى تأصيل لخرافة بإنقاذ هذا الوطن المسلوب عقلاً وفكراً، وحتى مسألة التحديد في المفهوم العام عن الدكتاتورية والديموقراطية ظلت سرابية ومظلمة لأنك تحتار كيف أن نخبة المجتمع من مفكرين، وعلماء، وأساتذة، هم أدوات الحاكم المطلق القادم من الحزب، أو الفصيل العسكري في تزييف الواقع ونشر الفساد والطغيان، وحتى الذين جاءوا من خلال اقتراع حر ونظيف يقومون بحرمان الأحزاب الأخرى من حق المشاركة، إما بدعاوى كفرها عند بعض المتطرفين الإسلاميين، أو الذين يرون في مشاركتهم امتداداً لأعداء الأمة من الاستعماريين كأذناب لهم، ولذلك سقطت تلك الديموقراطيات الوليدة لأنها نشأت، أو ولدت من رحم لا يقوى على إعطاء أبناء أصحاء، وهنا جاء المأزق الذي تناسل وتعاظم في ظل عالم مشوه من داخله، وحاول أن يجعل خطيئة الخارج سبباً في إعاقته الذهنية والفكرية.
من الصعب التسليم بموت الأمم، لكن تقهقر العقل وتخلفه صفة لازمت التاريخ العربي الحديث، حيث تخلصنا من العثمانيين لنقع في هيمنة الغرب، وكافحنا باسم استقلال أوطاننا وشعوبنا لتقتلنا الأنظمة الجائرة، ومع ذلك فما يجري الآن أمرٌ طبيعي بناءً على استنتاجات الماضي القريب، الذي فجَّر المكنون الضاغط لتحدث تصفية الحسابات بين أبناء الأسرة والحارة، والديانة الواحدة، وربما كان تأخيرها لأسبابها المتعددة أعطى لهذا التوقيت معناه المطلق بذرائع اخترعناها وأعطيناها عنوان هذا الوطن لتستقر به وتُحدث ما أصبح أخطر من كل الأمراض في سجلات الطب القديم والحديث.
شعوب العالم انتصرت على خلافاتها بالتعويض العملي، رأينا آسيا تُحدث زلزالاً في قبول أكبر التحديات لتخرج اليابان من رماد الأسلحة الذرية، والصين من ثورتها الثقافية، وبقية البلدان من دكتاتورياتها وحروبها إلى إعادة الإنسان إلى مساره الطبيعي، ومع أن معظم بلداننا يقع في جغرافيا هذه القارة، فإن العدوى الإيجابية بتنظيم مجتمعاتنا وتحويلها من صانع مأساة، إلى راسم طريق سوي، جعلت الفرص أمامنا ضئيلة ولم نعرف كيف نوجه بوصلتنا التائهة في الفضاء المجهول، وسنظل هكذا إلى أن يوجد حكيم، أو حكماء يبدأون الخطوة الأولى.
