لطالما شكل رموز اليمين الفلسطيني النافذ كاسحة ألغام تعمل على إزالة المطبات والألغام التي تعترض طريق السياسات الصهيوـ أميركية في العالم العربي وتمثلت أبرز المحطات على هذا الصعيد في خروج بعض فصائل المقاومة الفلسطينية من العاصمة اللبنانية بيروت إثر حصار القوات الإسرائيلية للمدينة دام قرابة ثلاثة أشهر والتوجه إلى تونس عبر البحر .

ومن ثم إلى القاهرة رافعة بذلك الحصار عن نظام السادات الذي كان مفروضا عليه بقرار من جامعة الدول العربية إثر التوقيع على اتفاقات كامب ديفيد بين الدولة العبرية ومصر، الأمر الذي شكل ضربة موجعة للحركة الوطنية الفلسطينية خصوصا وحركة التحرر العربية والعالمية عموما.

لكن هذه الخطوة لم تكن الأولى وما كانت ستكون الأخيرة في تاريخ اليمين الفلسطيني غير المشرف، فلقد سبقها ولحقها خطوات وممارسات تصب دائما في مصلحة معسكر الخصم، بدءا من الاستثمار السيئ إن لم نقلل استغلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى في نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي وتجيير نتائجها في مصلحة هذه الفئة المتخاذلة من الشعب الفلسطيني، الأمر الذي تجسد في فتح حوار مباشر منفرد مع الكيان الصهيوني وتوقيع اتفاقات أوسلو سيئة الصيت، التي لم تجلب للشعب الفلسطيني سوى مزيد من الموت والجوع والمعاناة..

كما تكررت الممارسة نفسها حيال الانتفاضة الثانية التي أطلق عليها انتفاضة الأقصى واندلعت في مطلع الألفية الجديدة وذلك حين تعاونت فئة يمنية فلسطينية أقل حجما واشد تطرفا مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية والأميركية ونفذت عملية اغتيال الراحل أبوعمار بعد أن حاول الأخير الممانعة.

الفصل الأخير في المسيرة السلبية لليمين الفلسطيني المتطرف يتمثل في موقف رموز السلطة من أحداث غزة وسيطرة حركة حماس على مقاليد الأمور هناك، فعوضا عن الاحتكام إلى لغة العقل والحوار مع رفاق ما يدعون بأنها عملية ديمقراطية، يبدو أن هذه الفئة قد حسمت أمرها نهائيا وكشرت عن أنيابها حتى ضد عدد من الآباء المؤسسين لحركة فتح، التي تعد الأداة السياسية الرئيسية لتنفيذ توجهات اليمين الفلسطيني في الساحة الفلسطينية، لا لشيء إلا لأن هؤلاء حاولوا الكشف عن جانب يسير من مشهد المساومة مع إسرائيل والولايات المتحدة.

في السياق ذاته تأتي الدعوة إلى حل (الميلشيات) الفلسطينية، على لسان رئيس السلطة نفسه، مطلقا بذلك رصاصة الرحمة على مشروعية المقاومة الفلسطينية وتضحيات شهدائها وجرحاها وأسراها وشتى صنوف التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني طوال ستين عاما.

ومعطيا الضوء الأخضر لقوات الاحتلال للضرب من حديد ومحاولة القضاء بلا رحمة على جميع «بؤر» المقاومة داخل الأرض الفلسطينية وخارجها على حد سواء، على غرار ما فعل ممثل منظمة التحرير في لبنان عندما أعلن تضامنه اللامحدود مع الجيش اللبناني في الضرب بيد من حديد أيضا والقضاء على أي تحرك إنساني فلسطيني داخل المخيمات.

وفي ذات الاتجاه أيضا دعوة رئيس السلطة إلى نشر قوات دولية في القطاع غزة مهمتها الحفاظ على الأمن الداخلي هناك وليس لحماية أبناء الشعب الفلسطيني من ضربات الآلة العسكرية الإسرائيلية التي لا ترحم ولا تميز بين مقاوم ومواطن عادي. مع تسجيل أنه لطالما تجاهل المجتمع الدولي دعوات صادقة من هذا القبيل ورفض نشر مثل هذه القوات عندما كان الأمر يتعلق بحماية الناس من بطش الاحتلال.

وفي جميع الأحوال، فإن هذه الدعوة وغيرها ستذهب أدراج الرياح بكل تأكيد، رغم الوعد الفرنسي بدراستها، ذلك أن المصلحة العليا للدولة العبرية تقول باستمرار الوضع الحالي في القطاع أطول فترة ممكنة، فمن قال إن قوات الاحتلال غير قادرة على وضع حد لهذا الوضع الناشئ في غزة. وباعتقادنا أنه سيكون لإسرائيل ذلك لا سيما بعد رفع العباءة العربية عن القضية الفلسطينية وتخلي أحد أكثر البلدان العربية تأثيرا عن مواصلة جهودها لحل المشكلة الداخلية الفلسطينية.

لنا أن نسجل، إذن، أن مسألة الحوار الفلسطيني باتت في خبر كان إن لم تنطلق من الهم الوطني وتشارك فيها سائر فصائل العمل الوطني والإسلامي الموجودة في دائرة العمل الوطني سواء كان ذلك داخل الأرض الفلسطينية المحتلة أم خارجها، وان الحديث عن سلام وتسوية ومفاوضات مع الدولة العبرية مجرد سراب بعد ان ضمنت هذه الدولة المارقة استمرار مقومات وجودها لعدد آخر من السنين في ظل الصراعات الفلسطينية والعربية القائمة على قدم وساق.

وان الحديث عن عملية ديمقراطية مجرد وهم بعد أن أفرزت بعض التجارب، إن لم نقل معظمها أو كلها، على هذا الصعيد قوى غير مرغوب فيها من قبل الولايات المتحدة وممثليها في المنطقة، وان الحديث عن وفاق وطني بات ضربا من الخيال تحت مظلة هذا الاصطفاف العميق لجميع القوى السياسية الفاعلة في المنطقة. كلمة لا بد منها: الحوار أولا والوفاق ثانيا والأطر الشرعية ثالثا، لكن قبل هذا أو ذاك لا بد من حسم الخيارات والتخلي عن المراهنات على الأجنبي والضرب بعصاه.

bassil@albayan.ae