بينما يرى البعض أن مشكلة الإرهاب نابعة من شيوع الاستبداد والفساد وغياب الحريات الإنسانية وغياب الديمقراطية، وتقييد حرية التعبير، وفرض الحظر على تيارات سياسية بهدف الإقصاء، بما يتطلب توسيع هامش الحرية، وضمان حقوق الإنسان، وتعميق الممارسة الديمقراطية، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية وسيادة دولة الحق والقانون.

ويراها البعض الآخر في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية كالفجوة الواسعة بين الأغنياء والفقراء بما يتطلب حلولاً اقتصادية لمعالجة مشاكل الفقر والبطالة بمزيد من التنمية لتقريب الفوارق بين الطبقات ورفع مستوى معيشة الطبقة الوسطى، والعمل على زيادة معدلات التنمية البشرية، وتأكيد سيادة العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

يرى مفكرون أن المشكلة لا تصلح معها الوسائل الأمنية القمعية التقليدية فقط أو بإرهاب مضاد من جانب السلطات، لأنها ناتجة عن جهل بصحيح الدين سواء من المتطرفين الدينين أو من المتطرفين اللا دينيين، ومن بعض المسؤولين أو من بعض المواطنين، وأن الحل ممكن بتمكين العلماء والعقلاء لا المغرضين أو الجهلاء من خلال وسائل الإعلام ومناهج التعليم للتوعية والتثقيف والحوار.

وربما يجد أصحاب كل وجهة نظر في الأسباب المختلفة للمشكلة ما يؤيد رؤيته، فالذين يرون أن مسؤوليتهم عن الأمن العام له الأولوية، وأن المشكلة ظاهرة إجرامية لا علاج لها إلا بالحل الأمني وبسن القوانين الشديدة لمكافحة الإرهاب يجدون في استمرار العنف الإرهابي وامتداده إلى بلدان أخرى سببا لتبرير تمرير حلولهم الأمنية وقوانينهم الاستثنائية باعتبار أن المشكلة هي أيضاً استثنائية.

والذين يرون فيها مشكلة اقتصادية واجتماعية يدللون على ذلك بكشف الظروف الصعبة التي نشأ فيها بعض الذين قاموا بالتفجيرات الأخيرة في المغرب والجزائر وغيرهم سواء في مصر أو في غيرها والتي تكشف أن البيئة المفرخة للعنف هي البيئة التي تزخر بأزمات الإسكان والبطالة والفقر.

بينما الذين يرون بعكس ذلك يدللون بأن كثيرين من زعماء العنف المسلح كانوا من الأثرياء، ويلخصون البيئة الحاضنة لفيروس العنف الإرهابي في الشعور بالظلم وغياب العدالة بشكل عام سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية.

وربما تبدو أحد عناصر المشكلة في أن «الإرهاب» مصطلح ملتبس بينما مصطلح «الجريمة» هو الأكثر تحديدا وقابلية للاتفاق حوله بين جميع الشرائع السماوية والقوانين البشرية، إذ أن لمصطلح الجريمة محتوى قانونياً يحدد الجريمة ويضع العقوبات في مواجهتها بما لا يجور على الحريات المدنية ويحمى حقوق الإنسان توافقاً مع الدساتير السليمة.

وظني أنه ليس هناك سبب واحد لنشأة العنف الإجرامي أو العنف الإرهابي، سمه ما شئت، وإنما تنبع المشكلة أو الظاهرة من بيئة مفرخة وبيئة حاضنة يتجمع فيها أكثر من سبب أو ربما الأسباب كلها، حيث غابت عنها وسائل الوقاية وعمليات التشخيص وآليات العلاج، وبعد أن يتفاقم المرض وتظهر الأعراض متفجرة نحمل ضابط البوليس وليس الطبيب مسؤولية معالجة المريض، ونكتفي نحن بإدانته.

وحتى الذين نقلوا مسؤولية العلاج من رجال الشرطة إلى رجال الجيوش تحت لافتة «الحرب على الإرهاب» بشن إرهاب عسكري مضاد ضد الإرهابيين، ارتكبوا من جرائم الحرب في فلسطين والعراق ولبنان والصومال وأفغانستان ومن إرهاب الدولة ما يفوق بكثير ضحايا إرهاب الأفراد والجماعات، ودعاة «الحرب على الإرهاب» نسوا أو تناسوا شيئين، الأول، أن المقاومة الوطنية التي يسمونها إرهابا هي عمل مشروع بحكم المواثيق الدولية، وأن الخلط المتعمد بين مشروعية المقاومة لتحرير الأوطان من المحتلين، ولا مشروعية الأعمال الإجرامية للقتل العشوائي ضد الأبرياء هو في الواقع تلفيق وتضليل..

والثاني: أن المقاومة المشروعة التي يسمونها إرهابا، جاءت كرد فعل طبيعي مضاد لإرهاب غير مشروع من جانب المحتلين الأميركيين والصهيونيين ضد شعوبهم، وأن الحرب العسكرية التي شنوها بعد 11 سبتمبر برؤية خاطئة وبتوجيه البوصلة في الاتجاهات الخاطئة، ضد الإسلام والعروبة زادت من مساحة ومعدلات العنف بشقيه المشروع وغير المشروع في العالم فأصبح أكثر إرهاباً وأقل أمناً.

إن الاتجاه الصحيح لحرب مجدية للقضاء على الإرهاب هو بتحقيق العدالة بكل أشكالها، وبإعلان «الحرب على الاحتلال» لأوطان العرب والمسلمين من أجل الحرية، و«إعلان الحرب على الفقر» من أجل التنمية البشرية وسيادة الحقوق الإنسانية ولتحقيق الديمقراطية العالمية وليست العسكرية والرخاء المشترك لشعوب العالم، بدلا من إدانة لا تكفي أو حرب لاتجدي.