بدأت حرب الردح بين قادة فتح إثر الكارثة التي ألمت بهم في غزة. حيث إن حركة فتح لم تواجه حركة حماس متحدة بل راهنت حماس على الانقسامات في فتح وربما حيدت بعض قادة فتح قبل مغامرة الاستيلاء على السلطة في غزة. والواقع أن حركة فتح لم تتعلم حرفا واحدا من هزيمتها الانتخابية وظلت أمورها تدار سبهللة وظل الحرس القديم يسيطر على الوضع دون تحريك القاعدة العريضة ومحاولة إعادة الروح إليها.
وجرى إبعاد هاني الحسن عن التعبئة والتنظيم بعد أن عمل فيه تخريبا وتشتيتا بدلا من ضبطه، وجاء احمد قريع أبو علاء بحجة ضبط الأمور لكنه لم يتخذ أي إجراءات من شأنها تجديد شباب الحركة المترهلة، ولم يكن محمد دحلان بعيدا عن ذلك حيث تدخل لفرض أشخاص موالين له في مواقع في حركة فتح في الضفة خاصة في اللجنة الحركية العليا التي جرى أحياؤها بعد أن ألغاها الحسن خشية خروج مروان البرغوثي من السجن وعودته إلى أمانة سرها.
الحسن اجتهد عمليا في محاولة لمحو أثار البرغوثي من الساحة بعد اعتقاله، وحشد الأموال إبان عهد أبو عمار لشراء اتباع مروان من مسلحي كتائب الأقصى وتحييدهم وكان يرسل شبانا لإزالة صوره من الشوارع، وعندما جرى حديث قبل سنوات عن احتمال الإفراج عنه هرع الحسن إلى غزة وعقد اجتماعا مع قيادات فتح في غزة.
وقال «علينا ترتيب أمورنا قبل خروج (هذاك) من السجن» فسأله سمير المشهراوي ما الذي يقصده «بهذاك» فقال مروان، وهنا احتد المشهراوي وقال «الآن تسمي القائد المناضل الأسير هذاك» وعاد الحسن إلى ياسر عرفات وطبقا لرواية شاهد عيان فإنه دخل على عرفات وبادره الأخير بالسؤال «حتعمل إيه يا هاني إذا طلع مروان» ففرك يديه.
وقال «اعتقد يا أخ أبو عمار أن الأخ مروان يحترم التراتبية التنظيمية» ولكن الحسن اقترب من أبو عمار واقترح إلغاء الحركية العليا لفتح في الضفة وغزة معا، وصدر قرار بذلك لكن تبين أن الإلغاء كان للضفة وليس لغزة حيث واصل احمد حلس أمين سر حركية فتح في غزة عمله في منصبه. فالهدف كان إلغاء منصب حركي لمروان.
عمليا كان نشاط الحسن وأعداء مروان الأسير يكرسون نشاطهم وأموالهم لمحو حضوره في حركة فتح، وهذا أمر غير مستغرب من قادة حركة لا يرون إلا أنفسهم، وقبل شهور أشرت في مقالة إلى أن حركة فتح لم تشهد أية إصلاحات داخلية منذ هزيمتها الانتخابية وأنه صار بالإمكان زحزحة خط الاستواء عن مكانه لكن من المستحيل زحزحة عضو لجنة مركزية في فتح عن منصبه.
وحدث أن جرى احتفال لتوديع الوفد الأمني المصري في مقر المقاطعة ودعيت للحضور وإذ بالحسن ينادي على عضو مركزية فتح اللواء نصر يوسف ويقول له هل قرأت ما كتب من أن زحزحة خط الاستواء أهون من زحزحة عضو لجنة مركزية فضحك نصر يوسف لكنه قال إذا كان الرأس عاجزا فماذا تفعل وأشار إلى أبو مازن فقلت «كان هناك رئيس غير عاجز وكنتم تتشاجرون معه ووصل الأمر بك إلى تقاذف منافض السجائر معه، ولكنه مات والآن كففتم عن الشجار».
مشكلة فتح أن قادتها ليسوا واعين بما حدث وما يحدث وهم بارعون فقط في الاقتتال فيما بينهم وإنشاء مناطق نفوذ خاصة بهم، ولهذا شهدت غزة حربا بين التيار الظلامي في حماس وما يسمى بالتيار الظالم في فتح أي تيار الوقائي فقط، ورأينا كثيرا من قادة وميليشيات فتح ينأون بأنفسهم عن الصراع وكأن الأمر لا يعنيهم.
لكن المشكلة الأساس هي في القيادات المجترة التي لا تبارح مناصبها وتوزع المناصب الحركية على الموالين لها. ولهذا يستحيل إحداث أي تغيير حقيقي في حركة فتح دون اللجوء إلى صندوق الاقتراع ولعل أبو مازن قصر أيما تقصير في قيادة الحركة وإحداث تغييرات فيها ولم يستمع إلا إلى حلقة صغيرة .
حيث لازمه محمد دحلان وروحي فتوح وعزام الأحمد، وذات يوم طلب مني احد قادة فتح أن أثير مع الرئيس أبو مازن مسألة تمويل الحركة حيث إنها بلا مال فقلت له في لقاء منفرد إن فتح تحتاج إلى مال لأن حركة حماس أغرقت أنصارها بالمال وافتتحت متاجر لهم وخصصت رواتب ومؤسسات وأقامت ممالك خاصة بها، فكان جوابه انه لن يطلب مالا من أية دولة عربية لصالح فتح، فقلت ولكن أبو عمار كان يطلب ذلك؟
فرفض أبو مازن، وكان يشيح بوجهه عن أي طلب للمال سواء للعسكر الذين تركهم تحت رحمة حكومة حماس وحرمتهم من الرواتب أو لأي جهاز سلطوي مثل التلفزيون الذي ظل بلا أية ميزانية أو أجهزة أو أشرطة وكان جوابه دائما أليست خصخصة وسائل الإعلام أفضل؟ ولكن السؤال من يستثمر في قطاعات ميتة في وضع ميت؟
أبو مازن تعامل بتنازلات متتالية مع حركة حماس ووهبها ما لم يهبه لفتح وطاوعها كثيرا دون أن ترد له أي جميل، وكان يتصرف كرئيس يحكم فنلندا وليس في عين الإعصار، فبينما كانت حركة حماس تقدم لعناصرها من القوة التنفيذية المال والطعام الساخن من المطاعم كان أفراد الأمن وحرس الرئاسة يشكون من الفقر، وقد فوجئت ذات يوم بأفراد من حرس الرئاسة يطلبون السجائر عندما وصلوا إلى مكتبي لحراسة وفد أجنبي، كانوا يفتقرون إلى المال لشراء السجائر؟
ولعلني استمعت في أول يوم من أحداث غزة إلى مكالمة بين احد قادة الحرس الرئاسي في غزة وأحد مستشاري أبو مازن وكان الضابط يقول لقد قدمت استقالتي إلى اللواء المجايدة، فسأله لماذا فقال «وضعت خطة هجومية للرد على حماس بالسيطرة على مخيم الشاطئ، لكن المجايدة رفضها، وهدد بتقديمي لمحاكمة عسكرية إذا نفذت الهجوم» إذ يبدو أن قادة الأمن لم يضعوا خططا للمواجهة بل الاكتفاء بالدفاع.
وقادة بهذا التفكير يمكن هزيمتهم بسرعة وهذا ما حدث فعلا ويجري حاليا محاسبة المقصرين عسكريا بالإقالة وإنزال الرتبة، ولكن السياسيين الذين قادوهم وهم الذين تسببوا في خراب فتح وتحويلها إلى عشيقة تدعى فتحية لم تجر أية محاسبة لهم، بل ما زالوا يمارسون الردح المتبادل. وكأنهم مبشرون بالبقاء في مناصبهم حتى يرحمهم الله.
الكثيرون يعلقون آمالا على الإفراج عن مروان البرغوثي لعله يستطيع لم شمل فتح، لكن قادة فتح ما زالوا يناصبونه العداء الشخصي بسبب الغيرة وهو أيضا ليس مستعدا لأن يكون رأس حربة ضد حماس إذ ربطته علاقات احترام مع قادة حماس في السابق .
وهو ليس مرتزقا حتى يخوض حربا بالنيابة عن جيل من القادة المهزومين لحق بعضهم نفسه واتصل بحماس قبل المعركة ليحمي نفسه لاحقا، إذ إن سجنا واحدا يكفي لمروان، وقد أرسلت له رسالة بهذا المعنى لأنه في حالة خروجه سيواجه الأعداء أنفسهم وسيحاولون إقامة سجون من حوله، فسجن واحد يكفيه.
صحيفة «الحياة الجديدة» فلسطين