تتواصل مواكب الجنازات في العراق الشقيق على نحو ينذر بخروج الامور عن نطاق السيطرة وهيمنة ثقافة الثأر الطائفي والاعمال الاجرامية والارهابية والفوضى الشاملة التي بدأت نذرها تلوح في الافق، بعد ان تمترس الجميع - أو كادوا - خلف مصالحهم الطائفية والمذهبية والشخصية الضيقة واسقطوا من حساباتهم العراق بما هو شعب ووطن نهائي لكل أبنائه ومصالح عليا وراحوا يشجعون علنا في اغلب الاحيان عمليات الثأر والتدمير والارهاب في مسعى لا يخفى على أحد وهو الاستئثار والهيمنة واقصاء الآخرين او استئصالهم او الحد من ادوارهم وعدم السماح لهم بالمشاركة في القرار الوطني.

المشهد العراقي الدموي الراهن لا يشي بان ثمة كوة تفاؤل في جدار المراوحة التي تعيشها العملية السياسية والتي تبدو وكأنها على وشك الانهيار بعد ان تعمقت الشكوك بين اطرافها وبات انعدام الثقة هو المميز لسلوك نخبها وبعد ان تكرست ثقافة التربص والمقاطعة في صفوف المكونات السياسية التي تشكل عصب مؤسسات الدولة سواء في الحكومة ام البرلمان ام باقي الهيئات والاجهزة الأمنية والعسكرية والمدنية.

العراق على مفترق طرق حقيقي بعد ان وصلت مجمل عمليات استعادة الأمن وخصوصا تلك التي خصصت لبغداد تحت اسم ''فرض الامن والنظام'' الى مأزق كبير ليس فقط في فشلها في وضع حد لعمليات التفجير والارهاب العشوائي الذي يضرب في كل مكان ويستهدف خصوصا المدنيين والبسطاء انما ايضا في سيادة نبرة التشاؤم على تصريحات العسكريين والمسؤولين الاميركيين الذين لا يرون فيها طريقا للخلاص من دوامة العنف والارهاب والتطرف الذي ما يزال رهط الجماعات والاطراف الداعمة له يصر على دفع العراق للسقوط في هاوية الحرب الاهلية ببعدها الطائفي والمذهبي عبر المضي قدما في عمليات تدمير المراقد والمساجد والجوامع واغتيال الرموز الدينية.

آن الاوان للعراقيين وخصوصا اولئك الذين يتوفرون على القرار السياسي او يسهمون فيه ان يعيدوا قراءة ''الملفات'' بدقة وعمق وبُعد نظر بعيدا عن الانفعال والاحكام المسبقة وثقافة التربص والاقصاء والالغاء والاستئصال التي للاسف باتت تنظم تفكير ومقاربات وسلوك شخصيات ومكونات سياسية ذات تأثير في المشهد العراقي الراهن.

ليس امام العراقيين غير التوافق والاقرار بحق الجميع في المشاركة والاسهام في رسم مستقبل العراق كوطن نهائي لكل ابنائه بصرف النظر عن طوائفهم ومذاهبهم واعراقهم وان السبيل للمحافظة على وحدة العراق والحؤول دون تقسيمه وتشظيه الاقرار بهذه المبادئ الاساسية ووضعها موضع التنفيذ كطريق لبناء العراق الديمقراطي التعددي الرافض ابناؤه للعنف والاقرار بمبدأ تداول السلطة على نحو سلمي والاحتكام للشعب لحل أي خلافات تطرأ، والا فإن البديل هو ذهاب العراق الى الفوضى والمجهول والاحتراب والتقسيم.