أشارت وكالة الصحافة الفرنسية في تحليل لها أمس، إلى أن الولايات المتحدة تتجه نحو شخصيات وأفكار جديدة لتحسين صورتها المتدهورة، خصوصاً لدى المسلمين. وهو ما كشف عنه بالفعل استطلاع للرأي أجري في 47 دولة ونشر الأسبوع الماضي، إذ أكد أن الارتياب العام من القادة الأميركيين ينعكس في الآراء غير المؤيدة بشكل متزايد لسياستهم الخارجية. وأظهر أن غالبية ساحقة من العرب يعتقدون أن السياسة الأميركية في هذه المنطقة موالية كثيراً لإسرائيل.

وأن هذا الرأي يشاطرهم إياه 42% من الإسرائيليين أيضاً. هذا علاوة على أن تشوه الصورة الأميركية يرجع أيضاً إلى احتلال العراق، وما خلفه هذا الاحتلال من برك من الدماء تسيل فوق ربوع أرض الرافدين على مدى أكثر من أربع سنوات، والمسؤولية تقع في المقام الأول على هؤلاء الغزاة الذين وعدوا الشعب العراقي بالحرية والديمقراطية والرخاء، وكان ثمرة حصاد غزوهم هو «عراق يوشك على التمزق والانهيار»، وانسحاب وزراء جبهة «التوافق» من الحكومة العراقية هو حلقة جديدة في مسلسل المأساة العراقية الذي صنعته حملة الوعود الكاذبة.

مثل هذه الحقائق، هل تدركها الإدارة الأميركية التي سبق لها قبل عامين أن استعانت بمساعدة وزيرة الخارجية ل«الدبلوماسية العامة» كارين هيوز لتحسين صورة أميركا في العالمين العربي والإسلامي. ولم تتحسن الصورة كما كشفت الاستطلاعات الأخيرة؟ .. هل أيقنت واشنطن سر استمرار «التشوه» المستديم لصورتها؟.

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، من وجهة نظره يرى أن على الولايات المتحدة أن تتعلم كيفية «الإقناع وان تكون مصدر إلهام»، بدلاً من الاعتماد على قوتها العسكرية. والأكثر من ذلك، يرى المركز ـ الذي كلف مجموعة خبراء مستقلين وضع استراتيجية جديدة لتعزيز نفوذ وصورة وفاعلية الولايات المتحدة في العالم أن استخدام الأدوات التقليدية ل«القوة الهادئة»، مثل الحوار أو الدبلوماسية قد أهمل.

ولكننا نقول، إنه حتى لو عملت الإدارة الأميركية بنصائح مركز الدراسات فإن الصورة «الجميلة» التي تريدها واشنطن لنفسها لن يكون لها مكان في عالمنا العربي والإسلامي. صحيح أن الرئيس الأميركي جورج بوش أعلن الأسبوع الماضي عن إنشاء منصب مبعوث خاص لدى منظمة المؤتمر الإسلامي التي تضم 57 دولة مسلمة من أجل «الإصغاء والتعلم» من العالم الإسلامي حسب ما أعلن، إلا أن ذلك لا يكفي لتحسين الصورة أو السمعة الأميركية بين العرب والمسلمين.

إن عدم التزام واشنطن بتطبيق العدالة الدولية في الشرق الأوسط.

وانحيازها ودفاعها المطلق عن إسرائيل بدون وجه حق مستعينة في ذلك بسلاح «الفيتو»، هو الذي يجعل من الصعب أن تكسب الإدارة الأميركية، ولا نقول الشعب الأميركي، ود وصداقة شعوب المنطقة. وإصرار الإدارة الأميركية على عدم جدولة انسحابها من العراق، وتجاهلها تصحيح الأخطاء البشعة والمفجعة التي أتى بها الاحتلال، يفقدان واشنطن مصداقيتها تجاه العراق.

صورة أميركا ..تتحسن عندما تتخلى واشنطن عن سياسة المعايير المزدوجة، وتقف مع العدالة التي فرضتها القوانين الدولية والمواثيق الإنسانية. عندما تؤكد للرأي العام العربي والإسلامي، بل والعالمي أيضاً، أنها ساهرة على القانون الدولي وصانعة سلام يقوم على العدل وليس على هوى طرف جائر على حساب طرف آخر مجني عليه، هنا قد تتحسن الصورة. ولكن للأسف الشديد، مازالت لغة القوة هي السائدة. والعدالة هي الغائبة والمفقودة.