لمصلحة من يأتي تعيين توني بلير رئيس الوزراء البريطاني المستقيل مبعوثاً أو وسيطاً للسلام في الشرق الأوسط؟ وهل يملك بلير من الصلاحية ما يؤهله لولوج هذا الملف الأكثر صعوبة في ضوء مواقفه السياسية السابقة ورؤية الأطراف المعنية لها؟ أسئلة كثيرة مطروحة للمناقشة خاصة بعد فشل مبعوث اللجنة الرباعية السابق جيمس وولفنسون في مهمته واستقالته من منصبه في ابريل الماضي بعد أن أصيب بخيبة أمل بسبب رفض إسرائيل تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها سابقاً بواسطة الولايات المتحدة الأميركية.
وإذا كان وولفنسون قد فشل واستقال من منصبه بسبب مراوغات إسرائيل وتهربها من أي التزام أو استحقاق، فإن سياسة تل أبيب لم تتغير ومازالت تسير في المنحى ذاته، الأمر الذي سيضع توني بلير في موقف لا يحسد عليه. ومهما حاولت الإدارة الأميركية الحالية مساندة بلير في مهمته الجديدة والدفع به إلى الأمام، فإن رصيده السياسي سيلاحقه ليقف حجر عثرة أمام أي تحرك قد يلجأ إليه.
فمواقف بلير من قضايا الشرق الأوسط تجعل منه شخصية غير محببة إن لم تكن مرفوضة من أطراف الصراع، خاصة الجانب العربي المطالب بأن يكون طرفاً فاعلاً في أي اتفاق سلام بسبب دور بريطانيا الداعم للغزو الأميركي للعراق عام 2003، ورفض بلير الضغط من أجل وقف سريع لإطلاق النار في الحرب التي دارت بين حزب الله اللبناني وإسرائيل العام الماضي.
ومع الفتور العربي لاختيار بلير مبعوثاً للجنة الرباعية في الشرق الأوسط، يأتي تشكك الرأي العام البريطاني نفسه في قدرة رئيس حكومته السابق على تحريك ملف عملية السلام، بسبب تأييده المطلق للرئيس الأميركي ومشاركته بقوات في الحرب على العراق، مما جعل منتقديه يطلقون عليه لقب (كلب) بوش.
وقد عبر عن هذه النقطة تحديداً حاييم مالكا المحلل بمعهد الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن بقوله: إن قرب بلير من بوش والربط بينه وبين العراق يمكن بالقطع أن يكون عقبة. ورغم أن واشنطن تبدو الآن (على الأقل بعد استيلاء حماس على قطاع غزة) معنية بتحريك عملية السلام، وتثبيت سلطة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فإن الغالبية العظمى من الفلسطينيين تشكك في قدرة الرئيس بوش على التصرف كوسيط نزيه لانحيازه لإسرائيل.
وإذا كانت ظلال الشك العربي أو الفلسطيني، قد خيمت على إمكانية نجاح بلير في مهمته، فإن إسرائيل التي رحب رئيس حكومتها بقيام بلير بمشاركة نشطة في الشرق الأوسط، لها وجهة نظر مغايرة بشأن كيفية التحرك مع الفلسطينيين. وفي هذا السياق يتوقع المراقبون أن يلقى بلير (الذي يعد أطول من شغل منصب رئيس حكومة بريطانية من حزب العمل) مقاومة شديدة من إسرائيل، إذا حاول الضغط لإزالة بعض المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، أو الحصول على مزيد مما يسمى (تنازلات) لدعم الرئيس محمود عباس في مواجهة حركة المقاومة الفلسطينية حماس.
ومع ترحيب بلير باختياره مبعوثاً للجنة الرباعية وتعهده بعمل ما بوسعه للمساعدة في إحلال السلام العادل والدائم في الشرق الأوسط، فإنه بلا شك سيدرس مصير آخر جهود سلام بارزة في المنطقة، وفشل الرئيس الأميركي السابق كلينتون في أيامه الأخيرة بالبيت الأبيض حين حاول التوصل لاتفاق نهائي بين عرفات وباراك.
وفي النهاية وأمام هذه الصورة يبقى تساؤل: هل سينجح توني بلير الذي كان ممثلاً موهوباً خلال سنوات الدراسة في مهمته التي أخفق فيها من قبل آخرون؟ الأسابيع القليلة المقبلة كفيلة بالرد على هذا التساؤل، الذي يعد اختباراً حقيقياً لأصغر شخصية تولت رئاسة الحكومة البريطانية خلال مئتي عام.