«لقد خلقنا الله أحراراً ولم يخلقنا عبيداً أو تراثاً، ووالله الذي لا إله غيره إننا سنكون أحراراً ولن نورث بعد اليوم».مقولة شجاعة قبل أكثر من قرن من الزمان أطلقها فارس حر شجاع هو الزعيم المصري أحمد عرابي في وجه سلطان جائر هو«الخديوي توفيق» في ميدان عابدين بالقاهرة، وبقيت خالدة إلى اليوم تلهم الأحرار لقول الحق وتؤرق المستبدين الخائفين من صوت الحقيقة.

والمقولة الشجاعة قد يطلقها ثائر شجاع ضد القهر والطغيان أو يكتبها كاتب حرض الظلم والحرمان، فإن حرية الكلمة هي المقدمة الأولى للحرية بمعناها الشامل، حرية الوطن من الاحتلال والتبعية وحرية المواطن من الخوف والعبودية.

وكم من مفكرين وكتاب كانوا بأفكارهم وأقوالهم مصدر إلهام لزعمائهم بل ولشعوبهم، وفى زمن يعز فيه الثوار الشجعان يأتي زمن الحكام ويمضي زمن الزعماء وفى عصر يندر فيه الكتاب الفرسان، فإن زمن الكتبة يأتي وزمن الكتاب يمضي.

وفارق كبير بين الكتبة والكتاب، الكاتب الحقيقي هو من يملك صفات وأدوات الكاتب، والمدجج بكل أسلحة الكتاب من قيم وثقافة، والذي له موقف وموقع ينحاز إلى الحق ويقف ضد الباطل، ومن يكون القلم في يده سلاحاً لنصرة الضعفاء والفقراء، والكلمة يكتبها أو يطلقها رصاصة يكافح بها انتصاراً لمعارك أمته في الدفاع عن قيمها وحقها في الحرية والعدالة والكرامة، وهو من لا ينفصل ضميره عن ضمير المظلومين والمحرومين في مجتمعه وعالمه، ويعبر بالحق عن قضايا شعبه وشعوب أمته، لا يسعى إلى نيل رضا أحد ولا يخشى من بطش أحد إلا الله.

والكاتب بهذا الوصف هو من يتقدم ضميره على مهارته، ومن تحكم قيمه أدواته، ويغلب صدقه على بلاغته، وليس مجرد من يملك مهارات وفنون الصياغة اللفظية، ويتمكن من إجادة القواعد اللغوية، ويعبر باللغة العربية عن الأفكار والأجندات الغربية المعادية، انحيازاً لها وليس لضميره أو ضمير شعبه، ربما لضعف ثقافته أوثقته بنفسه فينبهر بما هو أجنبي وينسلخ عن انتمائه الوطني أو القومي أو الديني، أو لقابليته الذاتية للتبعية خوفاً أو طمعاً، أي في النهاية لحسابه الشخصي السياسي أو البنكي ـ لا يهم ـ ولكن الأهم أنه لحساب غيره لا لحساب قضايا وطنه وأمته، مثل هذا ليس مقاتلاً في كتيبة الكتاب بل واحد في طابور الكتبة ممن يكتبون ولا يكتبون.

والساحة الثقافية والسياسية والإعلامية مزدحمة بهؤلاء وهؤلاء وبينهما الراقصون على الحبال بين هؤلاء أو هؤلاء انحيازاً للأقوياء على حساب الضعفاء ركوباً للموجة العالية نفاقاً أو خوفاً، وللأثرياء على حساب الفقراء سعياً لنصيب من الكعكة تبعاً وطمعاً، ووقوعاً في أسر المصالح قبل المبادئ، وإلى المناصب قبل المواقع، وإلى الشهرة بلعبة «خالف تعرف» قبل الشرف باتخاذ المواقف.

ولا يمنع هذا الكلام الكاتب الحقيقي ذا الضمير اليقظ والعقل السليم والنفس السوية من حرية الاعتقاد والتعبير عن الأفكار أو المواقف ولو بما يخالف السائد في مجتمعه أو في عالمه، بشرط أن ينبع ذلك من ضميره هو وليس تعبيراً عن ضمير غيره، وعن آمال شعبه المشروعة لا عن أهداف أعداء شعبه المدفوعة، وعن الاقتناع لاعن الاتباع، وعن الشجاعة في إعلان حقيقة الواقع وإعلاء الحق لا عن البراعة في فن تزييف الواقع وتزيين الباطل.. مثل هذه المخالفة المشروطة جديرة بالدراسة والحوار والاحترام.

وقد لا يستطيع الكاتب الحقيقي في بعض الأحيان التعبير بحرية عما يؤمن أنه الحق، كما قد لا يستطيع أن يتصدى لكشف ما يعتقد أنه الباطل لموانع ذاتية أو موضوعية، أو لضرورات تتعلق بدفع الضرر قبل جلب المصلحة له أو لغيره، أو لتقديرات يرى معها صحة الحكمة المأثورة القائلة «ليس كل ما يعرف يقال، ولا كل ما يقال جاء أوانه، أو كل ما جاء أوانه حضر أهله»، لكن ذلك كله لا يمنعه من قول الحق بحكمة أخرى تقول «ليس المهم أن تكتب كل ما تعتقد أنه حق بل الأهم أن تعتقد بصدق كل ما تكتب».

وقد يدفع الكاتب حياته ثمناً للدفاع عن أفكاره وقناعته وتعبيراً عن آمال وطنه وأمته، أو اعتقالاً أو زجاً به في قضية ملفقة، أو منعاً من الكتابة أو عزلاً من موقعه الوظيفي أو تضييقاً في الرزق.

ومع التسليم بحقيقة أهمية مكانة الكاتب في نظر القارئ، إلا أن الأهم أن يدرك الكاتب حساسية ذكاء القارئ وقدرته على التمييز بين الكتبة والكتاب، وبين الصادقين والمنافقين، وبين المعبرين عنهم والمرددين لأقوال أعداء مبادئهم ومصالحهم سواء من الداخل أو من الخارج، ومع ذلك فالكاتب الجيد في البداية هو بقارئ جيد وفى النهاية هو قارئ لغيره من الكتاب، ولعلي شخصياً واحد من القراء الكثيرين لكاتب حر شجاع هو الأستاذ أحمد عمرابي الذي يستضيفني في ساحته بعد أن مضى في إجازة مطلوبة لاستراحة محارب.