الذين «فوجئوا» بالموقف المصري في قمة شرم الشيخ الأخيرة هم الذين بنوا رؤيتهم على حسابات خاطئة أو قراءات لا تعرف الواقع جيداً ولا تدرك حجم المخاطر التي تواجهها شعوب المنطقة وفي مقدمتها شعبنا العربي في فلسطين الشهيدة. ومن هنا كانت «مفاجأة» الدعوة المصرية لاستئناف الحوار بين الفصائل الفلسطينية كضرورة لا تتحمل التأجيل انطلاقاً من أن ما وقع في غزة كان كارثة بكل المقاييس.

ولكن استمرار الأوضاع وتداعياتها الخطيرة ستقود إلى كارثة أكبر لابد من العمل على تفاديها، وربما بني الذين «فوجئوا» بدعوة الرئيس المصري حسني مبارك للحوار بين الفصائل الفلسطينية رؤيتهم على ردود فعل سريعة أبدتها القاهرة في الأيام الأولى لأحداث غزة حين سحبت الوفد الأمني والبعثة الدبلوماسية وأعلنت نقل مقر البعثة الدبلوماسية إلى رام الله، وأعطت تأييدها لابو مازن والحكومة المؤقتة، ووصفت ما تم في غزة بأنه«انقلاب»ووجهت أصابع الاتهام لإيران بالتدخل وتشجيع «حماس» على «الانقلاب»، لكن ردود الفعل هذه كانت محكومة باعتبارات أهمها:

ـ أن بعض المظاهر التي رافقت أحداث غزة كانت - ومازالت - غير مقبولة مهما كانت المبررات، فلا التمثيل بالجثث، ولا استعراض مقاتلي فتح وهم شبه عرايا، ولا اقتحام منزل أبو عمار، ولا الحديث عن «تحرير» غزة من قطعان العملاء، ولا تشبيه ما حدث بفتح مكة، ولا استصدار الفتاوى بتكفير «الفتحاويين» و«العلمانيين»..

لا شيء من ذلك كان يمكن قبوله أو السكوت عليه لأنه يقود إلى كارثة أكبر، وكانت القيادات العاقلة داخل «حماس» نفسها تدرك ذلك جيداً وتعمل على محاصرته خاصة انه لا يتفق مع الطابع العام لحماس ويعكس منهجاً قد تكون «حماس» نفسها أول الخاسرين منه.

ـ إن ما حدث في غزة أحدث خللاً كبيراً في موازين القوى بين الأطراف الفلسطينية، وإذا كانت حماس قد سيطرت في غزة فلابد من رسالة قوية لإيقاف حمام الدم هناك، ولابد من رسالة أخرى تمنع انتقال الأمر إلى الضفة الغربية، ولابد من منح بعض الثقة لابو مازن حتى يستطيع أن يسيطر على الوضع في الضفة من ناحية، وحتى يمكن محاصرة آثار ما حدث في غزة من ناحية أخرى، وحتى لا تنهار كل المؤسسات وتعم الفوضى التي لن تظل داخل الحدود الفلسطينية بأي حال من الأحوال.

لكن ردود الفعل هذه، مع ما رافقها من مشاعر الغضب مما حدث ومن آثاره الكارثية على القضية الفلسطينية، ما كان لها أن تحجب حجم المخاطر التي تتعرض لها المنطقة، ولا كان لها أن تترك لمصر رفاهية أن تنفض يدها مما حدث، ولا أن تكتفي بالفرجة على اشتعال الموقف على حدودها، ولا أن تقف عند نقطة الغضب والإدانة، أو تشارك في دفع الأمور إلى الأسوأ..

وما أكثر الاحتمالات السيئة في ظل هذه الظروف، فهناك من يدعو لتشديد الحصار على غزة، باعتبار أن هذه هي الوسيلة المثلى ليعرف الفلسطينيون الثمن الذي عليهم أن يدفعوه في ظل سيطرة حماس، وعلى أمل أن يؤدي ذلك إلى انقلابهم على «انقلاب» حماس، ويرتبط ذلك بخطط إسرائيلية جاهزة للتطبيق للعودة لاجتياح غزة، وإنهاء سيطرة «حماس» على الأمور فيها من خلال عملية سريعة لا يتكرر فيها ما حدث في حرب لبنان في الصيف الماضي، بل يكون الاجتياح مقدمة لوضع القطاع تحت وصاية دولية.

ـ وهناك خطر تكريس الانفصال بين الضفة والقطاع، خاصة مع سيناريوهات جاهزة للحل الأردني في الضفة، أو لكونفدرالية تضم إسرائيل والأردن والضفة تكون نواة لمشروع شمعون بيريز القديم حول الشرق الأوسط الجديد. حيث تكون العمالة الفلسطينية والمال العربي في خدمة «العبقرية» اليهودية!! وحيث يتم دفن الحلم الفلسطيني بالوطن، والحلم العربي بالوحدة والتقدم.

ـ وهناك خطر ترك قطاع غزة ليكون عبئاً على مصر، خاصة إذا كانت حصيلة هذه السياسات أن يتحول إلى عراق جديد أو صومال آخر، يتحالف فيه تدني مستوى المعيشة مع اليأس من استعادة الحقوق، مع تطور العنف من صراع بين الفصائل الفلسطينية له في النهاية حدوده مهما كانت التجاوزات، إلى اختراق من منظمات إرهابية تخرج من عباءة «القاعدة» .

وهو ما ظهرت بعض بوادره في بعض الممارسات التي رافقت أحداث غزة الأخيرة والتي تتوافق مع «ثقافة» القاعدة أكثر من توافقها مع ثقافة «حماس» وغيرها من الفصائل الفلسطينية، وإذا كان ذلك قد توافق مع رسالة أيمن الظواهري في تأييد «حماس»، وهو التأييد الذي تحفظت عليه قيادة حماس، فإن الأخطر أن ذلك سبقه رسالة أخرى من المدعو «الحكايمة» يهدد فيها بتحرك القاعدة داخل مصر.

ورغم أن الرجل مجهول، وأن الساحة المصرية تشهد مصالحات بين النظام والجماعات الجهادية، إلا أن القاهرة لابد أن تأخذ كل شيء - في هذه الظروف - بجدية بالغة، خاصة أن التفجيرات التي شهدتها المناطق السياحية في سيناء في السنوات الماضية ثبت تورط بعض الفلسطينيين فيها.

ـ وتزداد خطورة الموقف في ظل القيود التي فرضتها المعاهدة المصرية -الإسرائيلية. فقوات الحدود التي حددت مؤخرا بعدد 750 فرداً ومعدات عسكرية محدودة، وبعض قوات الشرطة لا يمكن أن تكون كافية لحماية الحدود إذا تحولت غزة إلى عراق آخر. بل هي غير كافية الآن، ومع ذلك فإن مجلس النواب الأميركي الذي قرر تعليق 200 مليون دولار من المعونة العسكرية لمصر كان يرجع ذلك إلى أسباب منها عدم كفاية الجهود المصرية لمنع تهريب الأسلحة ـ عبر الإنفاق ـ إلى غزة!!

في ظل هذه المخاطر كان لابد من موقف يتبلور في عدة نقاط أساسية:

أولا: عدم السماح بتجويع غزة، ولا تحويلها لسجن كبير. فالموقف هنا لا يتعلق بخلافات أو صراعات داخل غزة، بل يتعلق أساساً بمستقبل الشعب الفلسطيني،كما يتعلق بأمن مصر والأمن العربي، خاصة حين يترافق ذلك مع سيناريوهات إسرائيلية مطروحة لا تستبعد اجتياح غزة، ولا تستبعد استئناف الحرب الأهلية، والأهم أنها لا تستبعد ـ بل ربما تعمل على ـ نزوحا فلسطينيا جديدا إلى سيناء يخلط الأوراق ويستعيد بعض الهذيان الإسرائيلي الذي يرى الحل في دولة فلسطينية في غزة وجزء من سيناء!!

ثانيا: أن ما حدث في غزة رغم بشاعته وأضراره الفادحة على القضية الفلسطينية وعلى الأمن العربي هو مواجهة بين أشقاء فلسطينيين ستجد طريقها للحل من خلال الحوار الذي يضع أمامه الحقيقة الأساسية في الصراع وهو أن إنهاء الاحتلال هو الهدف الذي ينبغي أن تتوحد كل الجهود من أجله.

وينبغي هنا الإشارة إلى أن الحوار كما تطرحه القاهرة لن يكون قاصراً على «فتح» و«حماس» بل سيكون حوارا بين كل الفصائل الفلسطينية الفاعلة بعد أن ثبت أن أسلوب تقسيم السلطة بين «حماس» و«فتح» قد فشل فشلاً ذريعاً. كما ينبغي الإشارة هنا إلى أن بعض الأطراف حاول في اجتماع «شرم الشيخ» إثارة موضوع القتال بين حماس وفتح، ولكن الرئيس مبارك رفض ذلك رفضاً قاطعاً، موضحاً أن ذلك موضوع يجري بحثه في إطار فلسطيني وعربي فقط.

ثالثا: إن القاهرة ترفض رفضاً قاطعاً أي تحرك لا ينطلق من وحدة الضفة وغزة. وتعرف القاهرة ان هناك قنوات علنية وسرية للتفاوض عبر أطراف إقليمية ودولية، وأن فتح وحماس ليستا بعيدتين عن هذه الاتصالات بقدر أو بآخر. وتخشى القاهرة أن تكون الأحداث الأخيرة مقدمة لقبول ما لا يمكن قبوله، أو لتكريس التجزئة أو للسير نحو «الدولة المؤقتة» او غير ذلك من الاطروحات المشبوهة.

ومن هنا كان موقف القاهرة الذي تم إبلاغه للفرقاء انه لم يعد ممكناً الاكتفاء بالوعود أو تقديم الخرائط التي لا تنتهي إلى أي طريق، وأنه لا حل إلا بالبدء في مباحثات الحل النهائي للوصول إلى افق سياسي واضح. وإلا فإن المنطقة كلها ستسير نحو المزيد من العنف والتطرف.

رابعا: إن ذلك يرتبط بوصول الفصائل الفلسطينية الفاعلة إلى برنامج للعمل الوطني لفترة محدودة هي الفترة الحاسمة القادمة، يخرج فيها الجميع من العموميات إلى التفاصيل، ويتعامل فيها الجميع من نقطة أن الكل قد خسر بما جري في غزة وأولهم حماس، وأن على الجميع أن يتعامل على أن السلطة الوهمية الموجودة هي أمر لا يمكن الصراع عليه.

وأن المطلوب الآن قيادة سياسية وطنية تضم الجميع وتكون هي المرجعية، على أن تكون «الحكومة» هي مجرد إدارة مدينة من المتخصصين تشرف على الأمور اليومية وتعد العدة لكل الاحتمالات بما فيها العودة للمقاومة المسلحة إذا اقتضى الأمر من أجل الهدف الذي ينبغي أن يتوحد الجميع حوله وهو إنهاء الاحتلال.

ويبقى انه في اليوم التالي لاجتماع شرم الشيخ، التقى الرئيس المصري بالعاهل السعودي لمتابعة الموقف. وقد كنت أرجو أن يكون اللقاء ثلاثياً بانضمام الرئيس السوري. ففي غياب التنسيق الكامل بين الدول الثلاث لن تكون النتيجة إلا خروج الملفات العربية من أيدي العرب، وتزايد التدخل الأجنبي والنفوذ المباشر لقوى إقليمية أصبحت لاعباً أساسياً في تقرير مصير أكثر من بلد عربي.

ومع النفوذ الأجنبي والصراعات الدولية والإقليمية تأتي جماعات العنف والإرهاب ويدفع العرب الثمن.. من العراق إلى لبنان إلى فلسطين، والبقية تأتي إذا لم نسأل أنفسنا: لمن تدق الأجراس؟!ومن يتحمل مسؤولية إبقاء العرب أسري الصراعات الصغيرة على أهداف وهمية بينما وجودهم نفسه معرض للخطر؟!

نقيب الصحافيين المصريين