هل انتهت مرحلة فلسطنة الصراع مع إسرائيل والعودة إلى الحالة التي كانت قائمة قبل أربعين عاماً، قبل نكسة 1967 قبل أن ينتزع الفلسطينيون رسمياً وفعلياً وعملياً مسؤولية إدارة الصراع مع إسرائيل عبر الثورة حينذاك.
رغم استمرار التأثير العربي في السياسة الفلسطينية بسبب الجغرافيا السياسية للوجود الفلسطيني والطبيعة الجذابة وقابلية التدخل للقضية الفلسطينية، قبل أربعين عاماً ومنذ نشأتها كان هنالك تعريب للمسألة الفلسطينية والإمساك بها بشكل شبه كلي، فهل عدنا إلى مرحلة قريبة جداً من تلك الحالة ولو بقي الشكل أو الواجهة فلسطينياً من جهة ولو أيضاً صار التعريب جزءا من دور إقليمي ودولي واسع ازداد تعقيداً وثقلاً من جهة أخرى. ما هي الخيارات المحتملة أو الممكنة بعد الانفجار الذي أصاب الجسم السياسي الفلسطيني والذي تدفع ثمنه أساساً القضية الفلسطينية، يبدو أن هنالك خيارات خمسة يمكن إدراجها كما يلي:
ـ الخيار الأول، تحول القضية الفلسطينية من مسألة سياسية بامتياز مسألة حركة تحرر وطني ومقاومة احتلال إلى مجرد مسألة إنسانية كما لو أنها ناتجة عن كارثة طبيعية أو بشرية وبالتالي التركيز بشكل مطلق رغم الحاجة لذلك ومسؤولية المجتمع الدولي ومشروعية المساعدة إلى سياسة المساعدات كبديل فعلي لسياسة تسوية القضية الفلسطينية.
فبدل أن تكون دبلوماسية المساعدات جزءاً من دبلوماسية التسوية تصبح بالفعل بديلاً عن دبلوماسية التسوية المؤجلة دائماً ويصبح دور دبلوماسية المساعدات ابقاء جسور التأثير والنفوذ قائمة في المجتمع الفلسطيني ومحاولة توفير الحد الأدنى من الاستقرار تحت الاحتلال مع إكثار الوعود السياسية بالطبع، ولكن دون أي أفق ودون أي مصداقية.
ـ الخيار الثاني، قوامه اختفاء أو كسوف القضية الفلسطينية بعد سياسة التهميش الدولي في السنوات الأخيرة التي اتسم بها التعامل مع المسألة الفلسطينية إلى حين التحول الآن إلى التهميش الذاتي فلا أفق في هذه الحالة لأي أفق سياسي يجري التلويح به كلما اجتمعت أطراف دولية وأياً كانت عناوين هذه الاجتماعات.
آخر مثال على نجاح هذا الاحتمال الرفض الذي أعلنه ايهود أولمرت رئيس وزراء اسرائيل خلال زيارته لواشنطن على مقترح «اتفاق الرف» كما تسميه كوندوليزا رايس والذي قوامه مباحثات إسرائيلية فلسطينية تعطي إلى الفلسطينيين أفقا سياسيا ويجري التوصل فيها إلى اتفاق حول المسائل الأساسية ويوضع الاتفاق الشامل على الرف إلى حين تمكين الرئيس عباس وبالتالي مساعدته على بناء المؤسسات الفلسطينية وعلى محاربة الإرهاب والتطرف فيكون الاتفاق الرف بمثابة الجائزة الأساسية للرئيس الفلسطيني التي يستطيع أن «يبيعها» إلى المجتمع الفلسطيني بغية المضي في السياسة أو الشروط المطلوبة.
وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني منحازة إلى موقف زميلتها الأميركية ولكن رغم ذلك بقي مشروع اتفاق الرف على الرف. في هذا الخيار قد تتحول القضية الفلسطينية إلى مجرد قضية الفلسطينيين فتتحول من قضية سياسية إلى قضية إنسانية ويكون التعامل لاحتواء تداعياتها أو تخفيف هذه التداعيات وامتصاصها عبر دبلوماسية المساعدات «بالقطارة» وتبقى القضية مفتوحة على المجهول.
ـ الخيار الثالث، التحول إلى «الضفة أولاً» وقد يكون أخيراً بعد «غزة أولاً» ويسهل إنجاح هذه السياسة فعليا وهي السياسة التي تعمل لها إسرائيل عبر تكريس الفصل السياسي والجغرافي بين غزة والضفة، يسهل ذلك الفصل السياسي و«المؤسسي» وصراع وتنازع الشرعيات الذي حصل ويحصل على يد الجسم السياسي الفلسطيني.
فأياً كان الشعار المرفوع هنا وهناك، إذا لم يتم إعادة التواصل وبناء اللحمة الوطنية الفلسطينية على صعيد الفعل وليس العنوان أو التمني فقد فان الفصل سيتكرس بعد أن يكون قد استكمل فعلياً بأيد فلسطينية وهو ما سيؤدي إلى مزيد من التعقيدات السياسية والدبلوماسية في القضية الفلسطينية وإلى مزيد من التداعيات السلبية على أرض الواقع الفلسطيني خاصة في غزة وعبر غزة.
ـ الخيار الرابع، يمكن وصفه بالمسارين المتوازيين والمقصود بذلك ان تتفاوض إسرائيل ولو بأشكال مختلفة من التفاوض الرسمي وغير الرسمي عبر التوصل إلى تفاهمات أو توافقات أمر واقع مع «دولة» الضفة الغربية و«دولة» غزة كل على حدة. المسار التفاوضي مع الدولة الأولى يأتي استمراراً للسياق الحاصل ولو أن المساحة الفعلية والسلطة النظرية قد انكمشت لحدود الضفة بعد أن كانت سلطة عموم الأراضي المحتلة سيكون عنوان التفاوض «الكل الفلسطيني».
ولكن نصفه معجل في الضفة ونصفه الآخر مؤجل في غزة. والمسار الثاني سيأتي نتيجة قبول إسرائيل بالأمر الواقع لا جديد في غزة من حيث سيطرة حماس الكلية ولكن الجديد الأهم في الواقع الجديد قد يكون تصرف حماس بمنطق الدولة وليس بمنطق الثورة فتضبط «الحدود» الغزاوية مع إسرائيل تحت عنوان «الهدنة المؤقتة» هدنة الأمر الواقع مقابل الحد الأدنى الممكن من أوكسجين المساعدات الدولية التي قد تأتي تحت عناوين مختلفة وتسمح لحماس بتأمين إمساكها لدولتها في غزة. المسار الأول سيكون عنوانه تسوية الصراع ولو أن التسوية ستبقى مؤجلة والمسار الثاني سيكون عنوانه إدارة الصراع باعتبار أن هنالك خلافا مبدئيا وبنيويا بين الطرفين لا يسمح بتسوية الصراع فينتج عن ذلك خيار الدول الثلاث:
إسرائيل من جهة ودولتان فاشلتان فلسطينيتان من جهة أخرى الفرق بينهما درجة «الفشل» حيث تتفوق غزة على الضفة في هذا المجال. غزة التي يعيشها فيها 79% من السكان تحت خط الفقر أي بأقل من دولارين في اليوم وحيث يسكن 4000 شخص في الكيلو متر المربع وحيث تزيد نسبة البطالة عن 50% حسب إحصاءات 2005 وحيث هنالك 65% من السكان تحت سن العشرين. سيعيش الفلسطينيون في دولتين واحدة دولة موعودة وأخرى قنبلة موقوتة.
الخيار الخامس، قوامه العودة إلى تحريك قطار عملية التسوية رغم أن كل المؤشرات الحالية من الموقف الأميركي الذي يقترب بعد شهرين من عام الشلل الكلي تجاه الخارج وخاصة تجاه الشأن الفلسطيني بسبب سنة الانتخابات الرئاسية والموقف الإسرائيلي حيث إن ضعف أولمرت يستدعي الحديث عن السلام دون القدرة على ترجمته إلى أرض الواقع وهو محاصر بين مزايدات وزيرة خارجيته من جهة وخطر السقوط أمام التشدد الفعلي والعلني عند الليكود العائد بقوة بقيادة بنيامين نتانياهو من جهة أخرى،.
ورغم أن الرباعي ما زال في دبلوماسية الإعلانات والمناشدات والمساعدات ولم يتحول بعد إلى أي دور آخر مستمراً في رفع عنوان خريطة الطريق بعد أن ضاعت الطريق واختفت الخريطة، رغم ذلك وتحسباً لمخاطر الانفجار الآتي أياً كان توقيته باعتبار أنه يمكن إبطاء سرعته وأياً كان حجمه باعتبار أنه حجم خطير على المنطقة فإن المطلوب إعادة إحياء عملية التسوية من خلال العودة إلى المفاوضات .
وإنقاذ الوضع الإنساني الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني من الانهيار ولكن ذلك يتطلب وحدة الحد الأدنى الممكن الفلسطينية وقيادة متماسكة وتحظى بشرعية واسعة عند الشعب الفلسطيني كشرط ضروري لهذا الأمر وتحول الرباعي من خلال احداث قطيعة مع دوره الراهن نحو تبني ورعاية عقد اجتماع دولي تشارك فيه جميع الأطراف المعنية لإعادة إطلاق عملية السلام سيكون دور الرباعي بمثابة منصة الانطلاق والمسهل والراعي والمواكب لهذه العملية ضمن أفق زمني محدد.
قد يبدو الخيار الأخير مثالياً في الظروف الراهنة وهو كذلك لكنه يبقى الخيار الوحيد الواقعي لكسر لعبة الدوران في حلقة مفرغة والعيش في دبلوماسية الأوهام والوعود بانتظار الوصول إلى لحظة ستكون دون شك أكثر تعقيداً وأكثر كلفة لإعادة إطلاق عملية السلام. فالوقت كما يقول أهم درس في الصراع العربي الإسرائيلي هو العدو الرئيسي للسلام.
كاتب لبناني