منذ الاحتلال وشبح الانهيار يحوم فوق العراق، بلد وقف كل هذه الفترة على حافة الهاوية، الأسباب معروفة، من الداخل والخارج، محاولات التغلب عليه، في أحسن أحوالها تعثرت، لكنها تواصلت، ومعها تواصل الاستمرار في العملية السياسية؛ التي أنتجت إعادة بناء مؤسسات الحكم، وبذلك بقي خيط الأمل قائماً، علّه في وقت ما تستتب الأمور وتنهض الدولة القادرة، بيد أن التدهور الأمني كاد أن يفترس كل احتمال ورجاء. وفي الأيام الأخيرة أخذت العلامات تتسارع وتتكاثر في هذا الاتجاه، وهي تؤشر كما لم يسبق من قبل إلى أن الأحوال في العراق هذه المرة تسير بخطى سريعة نحو الانفلات التام من تحت السيطرة، أو على الأقل فهي مهددة بهذا المصير.
التلميحات المتتالية الصادرة عن العسكريين الأميركيين ترسم صورة شبه قاتمة. ومنهم من سبق له وكرر بأن المخرج في العراق سياسي أكثر منه أمني، نائب قائد القوات الأميركية هناك، الجنرال فنسنت بروكس، يعترف بأن القوات الأميركية العراقية المشتركة في حملتها لفرض الأمن لم تقو حتى الآن سوى على السيطرة على ما يقارب 40% من العاصمة بغداد، وكانت الحملة قد رافقتها توقعات وانعقدت عليها آمال كبيرة، لكن الأوضاع تزداد سوءاً، آخر وجبة عنف وتفجير بلغت ضحاياها أكثر من مئة قتيل وجريح، وآخر كومة جثث مقطوعة الرأس عثر عليها، تجاوزت العشرين، وما يثير الهلع، بل الرعب أن فتوى قد صدرت بتحريم أكل أسماك نهر دجلة؛ لكثرة الجثث التي ألقيت في مياهه، في غزو التتار لبغداد، تلون النهر بالأحمر، اليوم تلوث بالبقايا الآدمية، التاريخ يكرر نفسه على نحو مخيف.
ليس ذلك فحسب، فالكونغرس الأميركي يصدر تقريراً جاء فيه أن القوات العراقية التي تم إنفاق 19 مليار دولار على تدريبها وتسليحها وبنائها؛ لا تزال غير قادرة على حفظ الأمن. السبب الرئيسي أنها مخترقة ومطوّقة، أيضاً رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي يقول إن معتقلي القاعدة كشفوا عن معلومات حول مخططات واسعة وخطيرة تستهدف البلد وعدداً من الدول في المنطقة.
في المقابل يواصل الوضع السياسي العراقي، ترنحه. كل شيء حاضر فيه إلا التوافق والمصالحة، ولا يبدو أن ذلك في جدول الأولويات. تأزيم متزايد في أعقاب إقالة رئيس البرلمان؛ ثم ملاحقة أحد النواب بتهمة التحريض على القتل، ويزيد المشهد انسداداً؛ وبالتالي اندفاعاً نحو المحظور، ان الرئيس بوش ليس في جعبته إزاء هذا الوضع غير «الصبر».
في خطابه أول من أمس واصل، كعادته، المعاندة والمكابرة؛ من خلال الحديث عن «تقدم» موعود؛ ينتظر أن تحققه القوات الأميركية ـ حوالي 30 ألف جندي - الإضافية «التي استكملت وصولها قبل أيام إلى العراق»، وعليه فهو طالب الأميركيين بالمزيد من رحابة الصدر وطول الأناة بانتظار النتائج الحميدة، الواقع على الأرض لا يبشر بذلك، الأميركيون في الكونغرس وأوساط الخبراء العسكريين؛ ناهيك بوسائل الإعلام والرأي العام، لا يرون ما يراه الرئيس. الخشية أن يكون هذا الأخير مدركاً لحقيقة الأمر من دون أن يعترف علناً؛ ويعمل بالتالي في اتجاه القيام بخطوة تكون بمثابة الضربة القاضية للعراق .في هذه الحالة لا ضمانة للعراق إلا بالعراقيين. فهل يصحون؟
