الهجمات الانتحارية والتفجيرات التي تتم على جانبي الطرق في العراق وأفغانستان تصيب الأميركيين بالسأم. الديون الأميركية المستحقة للصين واليابان آخذة في التزايد. ثم يحدث أن نفكر في فنزويلا والشرق الأوسط وروسيا الغاضبين في كل مرة يتملك منا الضجر.
ثم نستمع إلى آل جور يتحدث عن الاحتباس الحراري. أو نستمع إلى جيمي كارتر وتعليقاته حول الرئيس الأميركي الحالي. الكتب التي يكتبها حاليا الليبراليون تؤكد لنا أن الإمبراطورية الأميركية تعاني من العطب وأنه علينا أن نستعد للمصير الذي آلت إليه الإمبراطورية الرومانية. المحافظون مصابون بكآبة. وفي المقابل فإن عددا كبيرا من الأميركيين الذين أصابهم الملل يلجأون بدلا من ذلك كله إلى أراضي العبث ليستمعوا إلى بريتني سبيرز وباريس هيلتون.
بعد الحرب العالمية الثانية لم يمض وقت طويل قبل أن ينهي الاتحاد السوفييتي الميزة التي تمتعنا بها لفترة قصيرة والتي تمثلت في وجودنا كقوة نووية وحيدة في العالم. وعندما خسرنا أوروبا الشرقية والصين لمصلحة الشيوعية، كان الأمر بمثابة دليل للكثيرين على أن الرأسمالية الديمقراطية ليست إلا أمرا عفا عليه الزمن. لقد قالها نيكيتا خروتشوف، رئيس الاتحاد السوفييتي الأسبق:« نحن سندفنكم».
بعد انهيار الإمبراطورية السوفييتية في 1991، أعلنت أميركا لنفسها «نهاية التاريخ»، وهو الإعلان الذي كان يعني أن انتشار منهجيتنا القائمة على الرأسمالية الديمقراطية أضحى أمراً حتمياً لا مفر منه. والآن وبعد مرور 16 عاماً فقط فإن البعض منا متيقن من أننا نقترب من نهايتنا. غير أن منافسينا أضعف بكثير وأميركا أقوى بكثير مما يعتقد الكثيرون. فلننظر إلى النفط على سبيل المثال. فمع وصول سعر برميل النفط إلى 70 دولاراً، فإن قادة من أمثال فلاديمير بوتين وهوغو شافيز يبدون وكأن أحدا لا يمكنه قهرهم في محاولتهم لتأليب مشاعر العالم ضد أميركا.
ولكننا إذا نجحنا في العثور على مصادر طاقة بديلة أو إذا نجحنا في تقليص اعتمادنا على النفط، فإننا نستطيع أن ندمر هؤلاء بسهولة. فالدول التي يقودها مثل هؤلاء الأشخاص ليست بها طبقة وسطى ولا ثقافة إدارة الأعمال التي تمكنهم من اكتشاف المعرفة الجديدة ونشرها. روسيا وأوروبا آخذتان في الانكماش. الصين هي دولة شاخت في العمر لا تملك إلا الأطفال. الشيء الوحيد الذي يخشاه العامل الصيني المجد في عمله أكثر من حكومته الديكتاتورية الشيوعية هي التخلص من هذه الديكتاتورية.
صحيح إن الاقتصاد الصيني والهندي حققا نجاحات مذهلة، غير أن الدولتين على موعد قريب مع مشكلات اجتماعية وثقافية عالجناها نحن منذ وقت طويل في القرن العشرين. ولا تستطيع الصفوة الأوروبية أن تلوم كل مشكلاتها، المتمثلة فيما تفرضه روسيا من ضغوطات وفيما يمثله المتشددون الإسلاميون من تهديدات وكذلك مشكلات الأقليات وارتفاع معدل البطالة ـ لا تستطيع القول إن سبب كل هذه المشكلات هو تبجح بوش وسوء لكنته الإنجليزية.
والانتخابات الأوروبية الأخيرة التي أتت بأنجيلا ميركل في ألمانيا ونيكولا ساركوزي في فرنسا تلمح إلى أن مشاعر العداء الأوروبي لأميركا قد تكون في نهايتها وأن ممارستنا القائمة على الأسواق المفتوحة وخفض الضرائب وتقليص قبضة الحكومة على الأسواق هي السياسات التي يفضلها الأوروبيون حاليا.
حقيقة الوضع تقول إن أميركا التي لم تكن يوما أقوى مما هي عليه الآن تتعرض لاختبار لم تتعرض لمثله من قبل. العالم يترقب ما إذا كنا سننتصر أم سنُهزم في العراق وأفغانستان. الشرق الأوسط في طريقه إما نحو الإصلاح أو إلى أن يظل فوضى قبلية ثرية بالنفط تشكل تهديدا على العالم بأكمله.
الطريقة الأفضل التي يمكن بها قياس فرصنا للمحافظة على تفوقنا تتمثل ببساطة في أن نطرح الأسئلة نفسها التي تجسد المقاييس التاريخية لنجاح أو فشل دولتنا: هل لدى أي دولة دستور يمكن مقارنته بدستورنا؟ هل الدين أو العرق أو الطبقة هي أمور يمكن أن يكون لها اليد العليا في نجاح أو فشل أميركا؟ ما هي الدولة التي تتمتع باستقرار وشفافية وحرية الولايات المتحدة ؟
حاول أن تكون مواطنا يابانيا أو صينيا كامل الحقوق إن لم تكن قد ولدت في الصين أو اليابان. حاول أن تترشح للحصول على وظيفة في الهند وأنت من طبقة المنبوذين. حاول أن تكتب مقال رأي تنتقد فيه الوضع في روسيا، أو حاول استئجار فتاة جميلة لتدير مسجدا أو جامعة أو مستشفى في معظم بلدان الشرق الأوسط. اسأل من أين جاءت أجهزة آي بود والإنترنت وطائرات إف 18 ومن أين انطلقت سلسلة وول مارت.
خلال الأعوام الستين الماضية، تم تحذيرنا بشكل متعاقب من أن ألمانيا والاتحاد السوفييتي واليابان والصين هي كلها دول في طريقها إلى أن تحل محل أميركا. ولكن شيئا من هذا لم يحدث. جميع تلك الدول مرت بلحظات من النجاح الباهر ولكن في النهاية لم تثبت واحدة من تلك الدول أنها بقوة ومرونة وقدرة أميركا على التأقلم مع الأوضاع.
هذه الحقيقة تقودنا إلى أعظم نقاط القوة لدى أميركا، ألا وهي القدرة على نقد الذات. نحن الأميركيين دائما نتصور أننا على حافة الانقراض. ولذا ومن أجل أن نجدد ونعيد بناء وحماية أنفسنا فإننا نجلد أنفسنا بسياط الحروب على الفقر والمخدرات والسرطان وسباقات الفضاء والأمية والحروب الصليبية والحملات على النفايات والتدخين.
بعبارات أخرى، نحن، فيما نأخذ في قضم أظافرنا، مصابون بجنون عظمة يدفعنا إلى الاعتقاد بأننا يجب علينا دائما أن نغير ونحسن من أنفسنا من أجل أن نحافظ على بقائنا. ومن ثم فإننا نقوم بفعل ما هو ضروري في الوقت المناسب.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص لـ: «البيان»
