سنرى السيد طوني بلير كثيراً حتى بعد أن غادر «تن داوننغ ستريت»، فقد أراد صديقه وأستاذه جورج بوش أن يظل تحت الأضواء، وألاّ تغيب عنه الشمس، كما كانت الامبراطورية البريطانية ذات يوم.

سيفرض بلير نفسه علينا شئنا أم أبينا، وسنجده أمامنا فجأة، كما كان يحط في بغداد فجأة، هكذا أراد بوش عندما كافأه ووظفه في امبراطوريته مبعوثاً للسلام، يمثل اللجنة الرباعية الدولية. ‏

وعلى العرب أن يتعاملوا مع هذا الوافد الجديد بالحسنى، وأن يصدّقوه، ويسهلوا مهمته، ويمهدوا له الطريق: أليس هو رسول سلام؟ ثم أليس هو السفير الأميركي فوق العادة، مع أن جواز سفره يشير إلى أنه يحمل الجنسية البريطانية؟ ‏

وماذا تعرفون عن المستر بلير؟ وماذا يتذكر العرب من «بركاته وحركاته»؟! لنتذكر ما قاله عشية غزو واحتلال العراق: إن النظام العراقي يمتلك أسلحة دمار شامل وهو قادر على إعدادها وإطلاقها في أقل من خمس وأربعين دقيقة ويهدد ذلك أمن وسلام العالم! ‏

كان حينها يريد أن يزاود في الكذب على سيده القابع في البيت الأبيض، وعلى وزير الخارجية الأميركي كولن باول، فأطلق هذه الكذبة الكبرى، مع العلم بأنه استبقها وأتبعها بمجموعة أكاذيب لا تقل عنها سخافة وخطورة في آن واحد. ‏

وسقطت أكاذيب بوش وبلير واعتذر كولن باول، لكن المحافظين الجدد في الولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا «أثنار» وإيطاليا «بيرلسكوني» لم يعتذروا ولا يزال هذا الفريق يمارس الكذب والخداع والتضليل في وضح النهار. ‏

هل يمكن لكاذب مرتبط بخط مباشر مع واشنطن، ومدافع عنيد عن الفكر اليميني المتطرف والمحافظ، والصديق للصهيونية ـ وليس لإسرائيل فقط ـ هل يمكن لمثل هذا الشخص أن يكون مبعوث سلام؟! ‏

ومن سيصدق وعوده، إذا وعد، وكلامه، إذا تكلم، وجهوده، إذا صال وجال؟ وهل سيعمل فعلاً «بصدق!» من أجل السلام ما دام هو شخصياً لا يعرف ـ كما نظن ـ معنى كلمة الصدق؟! ‏

وإذا صرفنا النظر عن الصدق والكذب، وتناسينا ـ مسايرة ـ ما مارسه المستر بلير من رياء وكذب، فهل ننسى أن مبعوث السلام الجديد يردد ما يملى عليه حرفياً من قبل أصغر موظف في البيت الأبيض؟ ‏

وهل ننسى الكوارث والمآسي التي حلت بالعرب بشكل عام، وبالعراقيين والفلسطينيين واللبنانيين على وجه الخصوص نتيجة سياسة بلير الأميركية ـ الإسرائيلية؟ ‏

أليس هو الشريك لبوش في خطط تدمير وتمزيق العراق وحصار شعبه وتجويعه وتدمير بناه التحتية، وزرع بذور الشقاق والفتن بين أبناء الشعب الواحد؟ ‏

أليس بلير هو الذي سهل عملية نقل الأسلحة الأميركية الذكية والغبية إلى إسرائيل قبل عام عندما دمّرت إسرائيل لبنان حجراً على حجر؟ ‏

أليس هو من يدافع عن الإرهاب الإسرائيلي والجرائم الإسرائيلية ويعتبرها «دفاعاً مشروعاً عن النفس» بينما يضع أي عربي مقاوم على قائمة الإرهاب الأميركية ـ الإسرائيلية ـ البريطانية؟ ‏

بلير هذا ساهم مساهمة فعالة في جميع الجرائم التي تعرض لها شعبنا العربي، من العراق إلى لبنان وفلسطين وصولاً إلى محاولات عزل سورية، وحصارها وفرض عقوبات جائرة عليها. ‏

وبعيداً عن هذا وذاك، ولنفترض أن السيد بلير غيّر عاداته ومواقفه وسياساته القديمة وصدّق أنه رسول سلام، فهل يدرك ما أسس العملية السلمية؟ ‏

هل سيعمل على تنفيذ «خارطة طريق» مهترئة تأخذ في الاعتبار المصالح والأطماع الإسرائيلية؟ أم إنه سيستوعب حقيقة أن السلام إن لم يكن شاملاً وعادلاً وعلى المسارات كافة فلن يكون إلاّ صفقة بيع وشراء الخاسر فيها هم العرب؟ ‏

لا نريد أن نقسو على المستر بلير، ولن نحمّله ما لا طاقة له به، فهو وضع في هذا المنصب الشرفي كمكافأة نهاية الخدمة لتجنيبه المساءلة داخل بريطانيا، إن كان في المؤسسات الديمقراطية العريقة، أو في الإعلام أو في الشارع، ولن نعلق الآمال على مهمته لسبب بسيط هو أن رجل الحرب لا يصلح أن يكون داعية ورسول سلام. ‏

ربما هي المرة الأولى في التاريخ التي ترى فيها رسول سلام بسلاح الميدان الكامل وبأيدٍ ملطخة بدماء الأبرياء. ‏