(إياك أن تسافر مع اليهود) هذه النصيحة قدمها لنا بحار كهل التقينا معه في سفرة بحرية من اسطنبول إلى بورصة عبر بحر مرمرة وهي سفرة تطلبت منا ما يقارب الساعتين فيما كانت تتطلب أكثر من أربعة أو خمسة أيام بالسفن البخارية القديمة. وقبيل ان تصل السفينة التي تقلنا في ميناء بوسطنجة وهو ميناء يقع في الجانب الآسيوي من مدينة اسطنبول العريقة وبينما كنا جالسين نتأمل جمال هذا البحر.

لفت نظرنا شيخ كهل كان جالسا يلف حول يده التي لا تزال شديدة حبلا قديما بقدم السفينة التي كان جالسا فيها. ولقد أثار فضولنا بنظرته الغاضبة التي استوحاها من غضب البحر في شتاء تركيا القاسي وكذلك هدوء غامض استوحاه من غموض البحر الذي ليس بإمكاننا نحن السائحين فك طلاسمه أو فهم أبعاده.

وفعلا تقربنا منه لسؤاله عن الجزر في بحر مرمرة والملاحة فيه وبعد أن اطمئن إلينا والى أننا مسلمون مثله قدم لنا معلومات ونصائح كثيرة وقد ختمها بنصيحة غريبة قال لنا (إياكم والسفر مع اليهود). حتى اننا من دهشتنا طلبنا من الدليل الذي كان معنا أن يعيد لنا الجملة الأخيرة التي قالها الشيخ وتفاجئنا بان هذه النصيحة هي مقولة شائعة بين البحارة الأتراك بل حتى الجيل الجديد منهم يرددها كناية عن السفر مع من يصنع المشاكل على السفينة وهو أمر اخطر من العواصف بالنسبة للبحارة.

هذه المقولة في الواقع كانت نتيجة قصة رواها لنا هذا الشيخ، هذه القصة تقول انه في إحدى الرحلات البحرية التي كانت تقوم بها واحدة من احدث وأقوى وأجمل السفن البحرية في وقتها، والتي يدعي هذا الشيخ أن والده كان بحارا صغيرا فيها. وهذه الرحلة كانت من المفترض أن تنقل التجار والناس الذي كان اغلبهم من اليهود والأرمن الذين كانوا السكان الغالبين لجزر بحر مرمرة المعزولة، وصادف أن يحدث هرج وفوضى غير مسبوقة أسفرت عن احتلال اليهود لأغلب المقصورات في السفينة حتى بعد أن قدم الناس أوراقا تثبت أنهم قد حجزوا مسبقا في تلك المقصورات إلا أن ذلك لم يجد نفعا، فاستنجد الناس بالقبطان ومساعديه لحل هذا الإشكال إلا أن اليهود بعنادهم المعروف رفضوا متذرعين بان القبطان لا يملك الشرعية على السفينة لكي يطردهم من مقصوراتهم.

ولكن بعد ان هدد المسافرون الغاضبون بأنهم سوف يمسكون باليهود ويسعونهم ضربا ويجبرونهم على الخروج خرج من يتحدث من اليهود وطلب من الناس وطاقم السفينة تكوين لجنة مشتركة لكي يتفاوضوا معهم ويعيدوا الغرف أو المقصورات إلى أصحابها لا بل إنهم وعدوا بان يتركوا غرفهم الأصلية لصالح النساء والأطفال حتى ممن ليس لديهم أوراق تجيز لهم الجلوس في المقصورات.

إلا أن الذي حصل هو أن صراخا وصداما كان يشتد بين طاقم السفينة والركاب فكل يدعي أحقيته في أن يترأس لجنة التفاوض مع اليهود وكل كان يدعي جدارته ويتهم الآخر بضعفه. القبطان والطاقم يجد في الركاب أنهم منساقون إلى غضبهم وأنهم بسبب فوضاهم ضاعت مقصوراتهم في البداية.

بينما الركاب يتهمون القبطان وطاقمه بالتواطؤ والضعف في التعامل مع اليهود أصحاب المقصورات، ومضى يوم كامل من الجدال والتخاصم دون جدوى. حتى وصلت الأمور إلى قمتها آخر النهار عندما بدا الظلام واشتد البرد بصورة أعيت الأطفال والنساء والشيوخ، بل إن الأمور ازدادت خطورة حيث ان البحارة انشغلوا في الجدال والعراك مع الركاب ويبدو أنهم لم يوجهوا السفينة إلى مجراها الصحيح مما يعني أن الرحلة سوف تطول.

ويستطرد الشيخ في قصته فيقول إن الأمور تطورت حتى أن الناس اشتد غضبهم ونسوا اليهود وبدؤوا يصبون غضبهم على الطاقم والبحارة بالمقابل فإن الطاقم بدا يتعمد إيذاء الركاب وتجاهل معاناتهم في البرد القارص وهم في خارج السفينة حتى انعزل القبطان الغاضب وطاقمه في غرفهم الضيقة المظلمة قرب محركات البخار الخانقة خوفا من الركاب الغاضبين. بينما ظل الركاب في البرد القارص والمطر الذي لم ينفك في الهطول في تلك الأيام. أما اليهود فقد كانوا مرتاحين في مقصوراتهم الدافئة المضيئة وكانوا يذهبون لإزعاج أصحاب المقصورات الأخرى من غير اليهود ويهددونهم بالضرب أو الاعتداء على أطفالهم أو نسائهم لكي لا يساعدون الركاب الآخرين من خارج المقصورات.

للأسف وصلت سفينتنا نحن واضطررنا إلى الإسراع إليها كي لا تفوتنا الرحلة ولم نستطع أن نعرف مصير تلك الرحلة أو نهاية القصة. وليس غرضنا من سرد هذه القصة شرح المعالم البحرية في اسطنبول أو تنويم أطفالكم بحكاية آخر الليل لكن هذه القصة أردنا أن نسردها لكي نقول لفتح أو حماس أو أي من الفصائل الفلسطينية ان سفينة فلسطين اكبر من غزة أو الضفة الغربية وهي أهم من شخص أو أشخاص وان القضية أهم من معتقدات جماعة أو شرعية أخرى. نقول لهم ان في فلسطين لا تزال دماء العرب الذين ناضلوا في سبيلها جارية لم تنقطع وان التضحيات التي بذلت من اجلها أهم من المناصب والمراكز ودولة سراب لم تعد تروي أهلها أو تروي السياسيين.

نقول لهم إن قصتنا تقول لكم أن اليهود رسموا لكم ذلك الفخ الذي وقعتم فيه فصرتم توجهون الحراب إلى صدور بعضكم البعض بعد أن كانت حادة بتارة على صدور ورؤوس محتليكم. فأنساكم صراع السلطة ما فعله فيكم المحتل وما أخذه منكم وكيف فرقكم وطمس هويتكم وكيف هدم قراكم ودفن أهلها أحياء وكيف قتل أطفالكم وعذب شبابكم..

لقد آنستكم المناصب وفوبيا المؤامرات والإقصاء انكم كنتم في يوم ما تقفون في جبهة واحدة ونضال واحد ليس بينكم فرق أو مفرق وليس لديكم هدف سوى فلسطين حتى صرتم أسطورة يحكيها العالم بكل لغاته وصار العالم يبكي معكم ويغضب معكم، وكان أعداؤكم معزولين مكروهين كالمرض الضار.ولكنكم سرعان ما اخترتم السفر مع اليهود في سفينة واحدة يوم وافقتم على سلام واهن ومفاوضات كانت فخا لعينا أردتم أن تستبدلوا بها نضالكم الذي شعرتم انه أتعبكم ونسيتم أن كل الأجيال الفلسطينية كانت ستواصل النضال. وافقتم على غزة والضفة دولة لكم منحوها لكم وانتم تملكون كل فلسطين تملكون تل أبيب والناصرة ويافا ونابلس وأريحا والقدس، كلها أرضكم تركتموها كلها لتقبعوا في غزة والضفة وتتقاتلوا فيها حتى تضيع غزة وتضيع منكم كل فلسطين..

نعم السياسيون الفلسطينيون وكل من يصطف خلف هذا أو ذاك في الحقيقة اختار أن يسافر مع اليهود في سفينة واحدة فتعصف الرياح به بينما يرتاح عدوه ويفرح ويستقر ويتعزز. بعد أن نجح في إلهاء أصحاب الحق بالنزاع على السلطة والقوة ووهم الدولة والقيادة وفرض نموذجه على الآخرين لأنه يعتقد انه الأحق والحق الذي يملكه لا يناقش أو يجادل. ربما نحن لا نعرف نهاية قصة رحلة السفينة مع اليهود ولكن يجب على قادة فلسطين وساستها أن يعرفوا نهاية مهازلهم، وان يستحوا من شهدائهم وشهداء العرب المدفونين في كل ارض فلسطين

كاتبة عراقية