هل يريد الأوروبيون العيش معاً؟ كان 27 رئيس دولة وحكومة أعضاء في الاتحاد الأوروبي قد اجتمعوا في بروكسل قبل أيام (21 و22 يونيو 2007) في محاولة لتقديم إجابة عن هذا السؤال.

كانت التوقعات تتفاوت بين «التفاؤل» و«القطيعة». التفاؤل على خلفية ما كان هؤلاء ال27 قد أعلنوه في بيان مشترك صدر عنهم يوم 25 مارس 2007 في برلين بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخمسين لتوقيع معاهدة روما عام 1957 التي كانت الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل الأوروبية الجارية. يومها حددوا هدفهم في «جعل الاتحاد الأوروبي يقوم على أسس مشتركة متجددة من الآن وحتى انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2009» وتحديدا في شهر يونيو من تلك السنة.

أما «القطيعة» فقد كانت تحوم هي الأخرى في الأفق على قاعدة تباين مرامي «الشركاء» والمأزق الدستوري الحقيقي الذي واجهه الاتحاد الأوروبي بعد قول الفرنسيين في شهر مايو 2005 وبعدهم قول الهولنديين «لا» لمشروع الدستور الأوروبي (المعاهدة الدستورية كما أطلقوا على ذلك النص). بنفس الوقت كانت هناك تساؤلات كبرى حول مواقف دول أوروبية كبرى مثل بريطانيا وبولندا من جدوى مسيرة التوحيد الأوروبي أساسا. كانت المسيرة إذن تتلكأ... تتراجع... تحوم الشكوك حول مستقبلها. باختصار بدت وكأنها في طريق مسدود لن تستطيع الخروج منه للم شمل القارة وتعزيز صوتها في مواجهة العولمة الزاحفة.

في مثل تلك الأجواء انعقدت قمة بروكسل. وكان لابد أولا البحث عن مخرج من «المأزق الدستوري» الذي خلقه الرفض الفرنسي والهولندي لمشروع الدستور الأوروبي (18 بلداً أوروبياً صادقوا عليه). وإذا كانت فرنسا هي الدولة الأولى التي «كبحت» ذلك المشروع الذي أعدّه أساسا الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان، فإن الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي كان، و«الحق يقال»، وراء «حلحلة» الأمور عبر طرحه ـ منذ أن كان مرشحا- فكرة صياغة «معاهدة مبسّطة»، تحل محل المشروع الدستوري «المعطَّل والمعطِّل» وبحيث تقوم البرلمانات الأوروبية ـ وليس الشعوب عبر استفتاءات- بالمصادقة عليها.

شقّت فكرة «المعاهدة المبسّطة» طريقها إلى الإقرار بصعوبة بالغة و«ليس بعيداً عن القطيعة» حسب تعبير الرئيس الفرنسي نفسه أثناء المؤتمر الصحافي الذي عقده حوالي الساعة الخامسة صباحا في بروكسل بعد ليلة من النقاشات وعرض الحجج والتحفظات والاعتراضات، بل والتهديدات بالانسحاب أحيانا. بدا البولنديون عشية الاتفاق على «المعاهدة المبسّطة»، وكأنهم على وشك أن يغلقوا الباب في وجه أي تفاهم. ذلك على خلفية قولهم، وعلى لسان أعلى سلطة في البلاد، إنهم «لا يستطيعون السير نحو الوراء دائما»، وإصرارهم على أن تأخذ بلادهم حقها في النظام الانتخابي الأوروبي باعتبارها أكبر دولة في أوروبا الشرقية. بل واتهموا ألمانيا، وإنجيلا ميركل نفسها، بعدم الاعتراف بسيادة السلطة السياسية البولندية. لكن إشهار السيف شيء والضرب به شيء آخر. إذ انتهى الأمر إلى «لقد توصلنا إلى اتفاق».

لم يكن البولنديون وحدهم هم «الشبح» المهدد بتعطيل الوصول إلى «معاهدة مبسّطة»، وإنما بدا البريطانيون أيضا عنصر «تعطيل» كبيراً آخر. وللمفارقة عندما وصل توني بلير إلى رئاسة الحكومة البريطانية عام 1997 أراد أن يجعل من نفسه (بطل) إعادة بريطانيا للفعل والمساهمة في البناء الأوروبي. وهاهو اليوم بعد عشر سنوات، وفي الأيام الأخيرة قبل مغادرته الحكم نهائيا، يدفعها للابتعاد عن أوروبا الموحّدة عبر تخفيض مساهماتها في «الالتزامات» المشتركة المقرّة. لم يفلح في ذلك تماما، لكنه لم يتجاوز «الخطوط الحمراء» التي كان قد حددها لنفسه قبل قمة بروكسل بحيث لا تدفع بلاده «العربة الأوروبية» إلى الأمام ولا تشدّها أيضا إلى الوراء. تنتظر وترى.

في المحصلة تمّ التوصل إلى اتفاق ال27 قائد أوروبي على إقرار صيغة «المعاهدة المبسّطة» التي كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي هو صاحبها وعرّابها. وكان الأمر دون شك نجاحا شخصيا له وهو في بداية فترته الرئاسية. لقد نجح خلال شهر ونصف الشهر منذ وصوله إلى السلطة بدفع مسألة البناء الأوروبي إلى الأمام بعد حالة التهميش و«الموات» التي شهدتها خلال العامين الأخيرين، أي منذ الرفض الشعبي الفرنسي لمشروع الدستور الأوروبي.

لقد جرى إذن الاتفاق على «معاهدة مبسّطة». فما هو المقصود بالتحديد؟ باختصار شديد المقصود هو إعداد نص جديد من قبل دبلوماسيين ورجال قانون من الآن وحتى خريف 2007. على أن يصار إلى تصديقه من قبل البلدان المعنية قبل الانتخابات الأوروبية لعام 2009، كي تصبح (المعاهدة) عندها نافذة المفعول.

النقاط الجوهرية المتفق عليها تؤكد أن الأمر لا يتعلّق بـ «دستور» وإنما معاهدة لضبط آلية عمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وأن يكون هناك رئيس منتخب لهذا الاتحاد لمدة عامين ونصف العام وممثل سام للسياسة الخارجية والأمن. والتأكيد على مرجعية ميثاق الحقوق الأساسية الخاصة بحماية المواطنين، واتخاذ القرارات في عدة ميادين (العدالة والشرطة) عبر الأغلبية وليس الإجماع.

من جهة أخرى جرى الاتفاق ـ استجابة لمطلب بولندا- على أن العمل بنظام الاقتراع المزدوج لن يتم الأخذ به قبل عام 2014. هذا النظام ينص على «تبنّي كل قرار يحصل على موافقة 55 بالمئة من الدول الأعضاء تمثّل 65 بالمئة من مجموع سكان الاتحاد». النظام الحالي المعمول به حتى آنذاك يمنح بولندا ثقلا مثل فرنسا وألمانيا تقريبا.

السؤال الآن: هل تشكل «المعاهدة المبسّطة» تقدّما أو تراجعا في مسيرة التوحد الأوروبية؟ إنها ولا شك تقدّم بالقياس إلى حالة الشلل التي كان يعيشها الجسد الأوروبي «المغمى عليه» منذ عامين من الزمن. وتقدّم من حيث إنها تعزز فعالية الاتحاد الأوروبي والتأكيد على وجود رئاسة أوروبية لمدة طويلة (عامين ونصف) وتقوّي دور «الممثل السامي» للدبلوماسية الأوروبية.

وهي بلا شك أيضا تراجع بالقياس إلى مشروع الدستور الأوروبي الذي كان سيؤدي بالضرورة إلى قيام أوروبا فيدرالية، وفقدان مثل هذا المنظور يشكل مصدر «مرارة وألم»، حسب تعبير لرئيس وزراء إيطاليا رومانو برودي، لدى أولئك الذين حلموا به ودفعوه إلى الأمام. وهي تراجع بالقياس إلى الحماس الذي أبدته الدول الأوروبية في بداية المسيرة بينما تجر اليوم بعضها خطاها جرّا، هذا إذا لم يكن قسرا. بل وهي تراجع أيضا من حيث إن «البناء الأوروبي» نفسه أصبح من «هندسة» الحكومات وليس من «التزام» الشعوب. هذه الشعوب تبدو «مُبعدة» كثيرا عن سلطة اتخاذ القرارات.

«المعاهدة المبسّطة» هي أقل من طموحات هلموت كول وفرانسوا ميتران اللذين «حلما بأوروبا موحّدة وبدون طبقات». ولعلّ من أكبر فضائلها أنها استطاعت أن تجمع تحت «سقفها» المتحمسين لأوروبا الموحّدة والمشككين بها. وهي تبدو بصيغتها الجديدة كـ «زواج عقلاني» بعيد عن «نشيد الفرح»، حسب التسمية التي تبنّاها مشروع الدستور السابق لـ «النشيد الأوروبي» الموحّد.

ولعلّ أجمل توصيف للحالة الأوروبية القائمة اليوم ما قاله رومانو برودي في مقابلة له مع صحيفة «ريبوبليكا» وجاء فيه: «لم أر منذ سنوات بمثل هذا الوضوح المؤلم وجود أوروبيتين إحداهما تمثل الأغلبية وتؤمن بالسير إلى الأمام وترغبه والأحرى حدد القائمون عليها هدف سياستهم الوطنية في تقليص دور الاتحاد الأوروبي.

وقال الرئيس التشيكي فاكلاف كلاوس: هذا القطار الذي كان ينطلق بسرعة متزايدة نحو وجهة محددة جرى كبحه. وهناك إغراء دفعه نحو اتجاه آخر. مع هذا كله، وعلى الرغم من هذا كله، يبقى اتفاق «المعاهدة المبسّطة» إنجازا كبيرا. إنّه المخرج الذي سمح به الواقع والممكن وجعل الأفق مفتوحا. الحكومات الحالية سوف ترحل. لكن ما يتم التوقيع عليه سيحترم. هذا ما تشهد عليه المسيرة الأوروبية منذ خطواتها الأولى قبل 50 سنة.

لن يكون الطريق سهلا، لكن بلوغ أعلى القمم ممكن إذا توفرت الإرادة ومحال الوصول إلى «أدناها» إذا غابت. في أوروبا وفي غير أوروبا، والبارحة واليوم وغدا، المهم هو تحديد الأهداف، ورسم الخطط لتحقيقها، ويغدو ثانويا إذا حدث ذلك بسرعة أرنب أو سلحفاة.

كاتب سوري