ربما أراد الرئيس الفرنسي بإيعاز من واشنطن أن يكون المؤتمر مناسبة دولية لإطلاق تهديدات مبطنة ضد حكومة السودان.
لقد أعلن الرئيس ساركوزي في سياق جلسات مؤتمر باريس بشأن المشكلة الدارفورية تحذيراً إلى الخرطوم مفاده «أن على السودان أن يدرك أنه إذا تعاون سنسانده بقوة، وإذا رفض ينبغي أن نكون حازمين». إنه تحذير لا معنى له، إذ ما هو التعاون المطلوب من الحكومة السودانية بعد أن أعلنت موافقتها رسمياً في اجتماع ثلاثي جمع ممثلين للاتحاد الإفريقي وهيئة الأمم المتحدة والحكومة السودانية نفسها على خطة وضعها الأمين العام للمنظمة الدولية تقضي ـ حسب الاتفاق الثلاثي ـ بإرسال قوة عسكرية قوامها 20 ألفاً إلى إقليم دارفور وتتكون معظمها من قوات إفريقية؟
والحال كذلك كان على الرئيس الفرنسي أن يتقدم بالثناء على الحكومة السودانية، وتثمين تجاوبها مع الاتحاد الإفريقي والأمين العام للأمم المتحدة عوضاً عن إطلاق تحذير يوحي وكأن الخرطوم رفضت خطة الأمين العام. هذا المسلك الفرنسي الغريب يثير ريبة قد توحي بأن هناك ثمة نوايا مبيتة للمستقبل، وهناك مؤشرات تضاعف من هذه الريبة: أولاً: إن تحذير ساركوزي التقى مع تحذير من وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس.
قالت رايس إن على السودان أن «يلتزم» بتعهداته بالقبول بالقوة العسكرية المقترحة. وهذا تحصيل حاصل، فالخرطوم قد قبلت بالفعل، ثم انها اتهمت الحكومة السودانية ب«النكوث بوعودها» بشأن إنهاء العنف. وهو اتهام يستبق الأمور. فالقوة العسكرية لم تشكل بعد حتى يقال إن الحكومة تراجعت عن موقفها الرسمي بالموافقة على استقبال القوة في دارفور. ثانياً: تزامن مع انعقاد المؤتمر نشر مقالة في صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية تتضمن مطالبة بوضع عائدات النفط السودانية في صندوق دولي، وذلك «لمنع نظام الخرطوم من تمويل أعمال القتل والقصف والتطهير العرقي في دارفور».
وإذا كانت المقالة غريبة في مضمونها وتوقيتها لتتزامن مع المؤتمر الدولي، فإن الأغرب أنها ذيلت بأسماء عدد من كبار موظفي هيئة الأمم المتحدة الحاليين والسابقين، ومن بينهم يان برونك رئيس بعثة الأمم المتحدة لدى السودان الذي طردته الحكومة عام 2006، بعد أن نشر على الانترنت تقارير تسيء إلى الجيش السوداني. مع هذا كله خرج البيان الختامي للمؤتمر بصيغة متوازنة. ويبدو أن الثنائي الفرنسي الأميركي اضطر إلى تراجع نسبي في وجه معارضة قوية من الصين. ولولا هذه المعارضة لاقتصر البيان على إساءات مصحوبة بتهديدات إلى الحكومة السودانية.
لقد قال المندوب الصيني إن الصين تعتبر التهديد بالضغط على الحكومة السودانية غير مفيد ولن يزيد مسألة دارفور إلا تعقيداً. وعلى هذا النحو يمكن اعتبار المؤتمر عند نهاية المطاف نصف فشل للرئيس ساركوزي ونصف نجاح لحكومة السودان.