لم يتأخر باراك في اليوم التالي لتسلمه وزارة الدفاع، عاد إلى لعبة الدم والمجازر، وهو العتيق في ممارستها، قواته دشنت عهده بمجزرة على قياساته، في غزة، ولا شك أنه أرادها عنواناً ورسالة، عنواناً لعودته إلى الوزارة، وبالذات إلى وزارة العسكر، ورسالة تفيد بأن سقوط 12 شهيداً وعشرات الجرحى من الفلسطينيين ليس سوى البداية، دفعة على الحساب كما أنها تأتي بمثابة تأكيد، مرة أخرى، على أنه ليس في الجعبة الإسرائيلية إلا مثل هذه البضاعة للفلسطينيين.
على فظاعتها وبشاعتها، ليس في هذه الجريمة من جديد، فهذه ليست إنتاج «باراكي» فحسب بقدر ما هي إنتاج إسرائيلي أيضاً وبامتياز، ماركة مسجلة من زمان باسم تل أبيب، ولو ممهورة هذه المرة ببصمات قائد فرقة كومندوس سابق؛ ملطخة يداه بدماء الاغتيالات الفلسطينية، لكن ربما ما جعلها أفظع وأشنع هو وقوعها في زمن فلسطيني بدا وكأنه متواطئ على نفسه؛ من غير أن يريد أو يدري.
مشهد مفجع وغير مسبوق أن تندفع الآلة العسكرية العدوانية لإسرائيل في أراضي القطاع لتمعن قتلاً وتدميراً وترويعاً؛ بعد أيام قليلة فقط من حرب تناحرية فلسطينية ـ فلسطينية، فوق تلك الأراضي بالذات، وكأن الاحتلال برفعه لعيار عمليته العدوانية، قد أتى ليبدأ في حصاد ما زرعه له أهل الدار.
طبعاً لا تحتاج إسرائيل إلى ظروف ملائمة، لتقوم بما درجت عليه في حربها المتواصلة، ضد الشعب الفلسطيني، بمثل هذه الظروف ومن دونها، عدوانها قائم، ولا فرق عندها، الفرق عند الضحية، عندما يستهدفها هذا العدوان وتكون في ذات اللحظة غارقة في معاناتها من نزيفها الداخلي، والأقسى من ذلك أن يرى الوضع الفلسطيني نفسه.
وقد فرضت عليه حالة من التجزئة والانفصال؛ تشجع إسرائيل على ممارسة سياسة الاستفراد واللعب على التناقضات الداخلية، وهي حالة طالما حاولت العمل على بلوغها، بل هي معادلة طالما حلمت إسرائيل برؤيتها وقد تحولت حقيقة على أرض الواقع.
وضع مثالي أن ترى إسرائيل أصحاب القضية وقد صاروا بحكومتين بدل الواحدة؛ وداخل سجنين بدلاً من السجن الواحد وهم يعانون من مصيبتين بدلاً من المصيبة الواحدة.
والأدهى أن يهرع المتحاربون الفلسطينيون إلى التراشق فيما بينهم بالاتهامات ومسارعة كل طرف إلى تحميل المسؤولية للطرف الآخر عن مجزرة غزة، نسوا أو تناسوا أن الجميع مسؤول عن الاقتتال الذي ساهم في فتح شهية إسرائيل على المزيد من العدوان وعلى تكبير حجمه؛ مستفيدة من التآكل الذي تسبب به الأخوة الأعداء لقضيتهم وصورتها؛ بل لمدى التعاطف معها والانتصار لها؛ على مدى الساحتين الإقليمية والدولية.
أن تزعم إسرائيل بوجود حاجة لها لإقامة منطقة عازلة بينها وبين غزة وتبرر مجزرتها بهذه الحاجة، أمر ليس غريباً عن سلوكها وعدوانيتها، لكن أن تقوم الأطراف الفلسطينية بما يؤدي إلى عزل الأراضي الفلسطينية عن بعضها وتكريس عزلتها الجغرافية فهو أمر يستعصي على الفهم والقبول ولا يعوضه إلا المسارعة في العودة عنه.
