تعكس التطورات الأمنية الخطيرة في لبنان، وأبرزها الاشتباكات المستمرة في مخيم "نهر البارد" واغتيال النائب وليد عيدو وقصف شمال إسرائيل بصواريخ كاتيوشا من جنوب لبنان واستهداف قوات اليونيفيل في محاولة واضحة لخلط الأوراق وإقحام أطراف جديدة في الصراع الدائر بين الجيش اللبناني ومجموعة من الإرهابيين الذين تبرأت منهم جميع الأطراف الداخلية والإقليمية والخارجية.

وكذلك الاشتباكات التي جرت في منطقة أبو سمرا والقلمون قرب طرابلس، مدى الحاجة الماسة لإيجاد مخرج مقبول للأزمة اللبنانية التي قد تأخذ المنطقة برمتها إلى حرب مدمرة إذا لم يتم إيجاد حل لها، وبأسرع وقت ممكن.

فالاشتباكات والانفجارات المتفرقة والمتنقلة في لبنان، خاصة في الشمال، تهدد بالتصاعد والانتشار بشكل أكبر، وهناك مسؤولية متزايدة تتحملها جميع الأطراف المخلصة التي تسعى لتحقيق المصلحة اللبنانية العليا بعيدا عن تحقيق مكاسب سياسية رخيصة مقارنة بأمن ومستقبل البلد المهدد بالضياع.

وربما كانت أولى خطوات الحل تبدأ من اعتراف جميع الأطراف بأن الأزمة اللبنانية سياسية بالدرجة الأولى، ولكنها تحمل في طياتها أبعادا أمنية لا تحتمل التأجيل والمماطلة وتستدعي تعاون جميع الأطراف، بما في ذلك الأطراف الفلسطينية، حتى لا يكون هناك "نهر بارد" آخر في مكان آخر من الأراضي اللبنانية الحبيبة.

وربما تجدر الإشارة هنا إلى ضرورة أن تتولى الدول العربية توفير غطاء فاعل وفعال لمصالحة لبنانية- لبنانية بعيدا عن التأثيرات الأجنبية المباشرة، وخاصة الأمريكية منها.

فاللبنانيون لم ينسوا بعد أن الدخول السوري إلى لبنان -والذي ينظر إليه البعض على أنه كان احتلالا- ما كان ليتم لولا توافق المصالح الأمريكية السورية في تلك الفترة، ولذلك فإن ادعاءات الأمريكيين بأنهم ساعدوا على "تحرير" لبنان من الوجود السوري لا تعدو تصحيحا لخطأ تاريخي ارتكبوه في السبعينيات ولا يستحقون عليه لا جزاء ولا شكورا.

ثم إن إشارة الرئيس بوش إلى "الأمة اللبنانية العظيمة" لا تعدو كونها تصريحا سياسيا لا يحمل أي معنى، خاصة وأن إدارة بوش لعبت دورا بارزا وفاضحا في إطالة أمد وزيادة وحشية العدوان الإسرائيلي على لبنان في الصيف الماضي، فأين كان مفهوم "الأمة اللبنانية العظيمة" في مفهوم بوش في ذلك الوقت؟

إن لبنان عظيم بتاريخه وأبنائه من مختلف طوائفه ولا ينتظر شهادة بذلك من أحد، لكنه بحاجة إلى مداواة جروحه وتعاون أبنائه الذين عليهم أن يدركوا أن لا سبيل لحل الأزمة الحالية إلا بتقديم التنازلات من جميع الأطراف حول ملف الانتخابات الرئاسية والحكومة الوطنية والملفات الخلافية الأخرى وصولا إلى تحقيق الأمن والاستقرار للوطن الكبير ليعود لبنان واحة يقصدها العرب -كل العرب- بحثا عن الراحة والأمن وطيبة الأهل وجمال الطبيعة.