ما زالت أحلام الفيدراليين الأوروبيين بإقامة سلطة سياسة موحدة ودستور أوروبي بالمعنى الحقيقي للكلمة بعيدة المنال، لكن أوروبا ما فتئت تعمل على توحيد سياستها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية منذ 50 عاما. وقد أصبحت على باب قوسين من إعلان معاهدة جديدة لإطارها الاتحادي وآلية عمل مؤسساتها.
ويرى المحللون أن الاتفاق في حال إقراره سيشكل خريطة طريق للمسار القادم الذي يتضمن المزيد من توسيع أوروبا، وسيخدم المزيد من المركزية في السياسة الأوروبية لاسيما الخارجية بتعزيز صلاحيات الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كما سيعيد رسم التوازنات الداخلية وإجراءات تسهيل اتخاذ القرارات في الاتحاد الأوروبي بالاتفاق على نظام للتصويت، بعد أن بات أمرا ملحا في ظل تزايد عدد أعضاء الاتحاد الى 27 عضوا بمجموع سكان حوالي نصف مليار نسمة.
نجحت أوروبا في إرساء تكاملها الاقتصادي، فشكلت سوقا موحدة تتضمن اتحادا جمركيا وعملة موحدة (اليورو) وسياسة زراعية مشتركة وسياسة تجارية واتفاقية شنغن وغيرها الكثير، وأصبح الاتحاد الأوروبي اليوم مركزا جاذبا لدول أوروبية وغير أوروبية تنتظر الانضمام إليه، وبدون شك ما تم تحقيقه على مدى 50 عاما يثير الإعجاب إذا ما قورن بمشاريع التكامل العربي وما تشهده من تعقيدات.
كانت هناك بدون شك أسبابا عديدة داعمة لتحويل أسس التكامل الأوروبي الى حقيقة، مثل تنامي الشعور بضرورة إنهاء حالة الحروب في أوروبا والدعم الأميركي لبناء أوروبا في مواجهة الاتحاد السوفييتي وسياسة استيعاب لقوة ألمانيا من قبل فرنسا، لكن هذا لا ينفي واقع نجاح سياسة التكامل الاقتصادي التي تم انتهاجها من قبل ست دول أوروبية بتوقيع اتفاقية روما عام 1957.
كان قرار التخلي عن بعض السيادة ضروريا في سبيل تخطي الكثير من العقبات وتقوية الروابط الاقتصادية. ولذا فإنه على الرغم من الطابع الاقتصادي التكاملي لاتفاقية روما إلا أن طابعها السياسي كان على درجة كبيرة من الأهمية وشكل قرار إنشاء السوق المشتركة قرارا سياسيا بامتياز.
الأمر الذي تبدى من خلال الأجهزة السياسية التي أرسيت مثل البرلمان الأوروبي والمجلس الوزاري الذي بدأ بوضع قرارات ملزمة حول قضايا كانت في السابق ضمن السياسات الوطنية مثل السياسة الزراعية، بل ان هذه الاتفاقية ذهبت أبعد من ذلك حين دعت إلى تنسيق السياسات المالية باتجاه إقامة اتحاد اقتصادي.
كان من أهم مبادئ التكامل الأوروبي نقل صلاحيات الدول القومية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية، وحين واجه هذا الأمر معارضة من قبل بعض البلدان مثل بريطانيا التي فضلت عدم التنازل عن سلطاتها لمؤسسة أوروبية ما فوق سيادية، لم يحول هذا الأمر دون مضي ست دول أوروبية بمشروعها دون تردد.
لم تستطع الدول العربية أن تمضي في أمر كهذا لذا لم تستطيع أن تحقق مشروعها التكاملي بالرغم من الاتفاقيات العديدة التي أبرمتها مثل اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري العربي لعام 1953 التي سبقت اتفاقية روما بثلاث سنوات، واتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية لعام 1957 وقرار إنشاء السوق العربية المشتركة عام 1964، ولم تستطع دولتان عربيتان حتى أن تحلا مشاكل الحدود بينهما.
وعلى مدى أكثر من حوالي نصف عقد من الزمن غرقت أروقة جامعة الدول العربية في اجتماعات روتينية حول تحرير قائمة محدودة من السلع، ولم تستطع ان تحدث اختراقا كبيرا حتى في الوقت الذي كانت الأسواق العالمية تفتح تحت سياط العولمة.
في 15 ابريل 1994 بدأت الدول العربية تعيد التفكير في شكل التحرير الاقتصادي المطلوب، ومجددا اصطدمت بقضية السيادة واختارت الطريق الأصعب بإقرار منطقة تجارة حرة بدل اتحاد جمركي أو سوق مشتركة، فغرقت في اجتماعات لإقرار قواعد منشأ نقلتها عن قواعد المنشأ الأوروبية الحمائية جدا تجاه الدول خارج أوروبا، والتي كانت على درجة كبيرة من التعقيد بحيث لم يجر الانتهاء منها حتى بعد قيام منطقة التجارة الحرة.
والمفارقة ان الدول العربية تمسكت بسيادتها تجاه بعضها البعض في حين كانت هذه السيادة تتهاوى أمام اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، بل كانت الدول العربية تسارع إلى تقديمها على طبق من فضة إلى منظمة التجارة العالمية في الكثير من القوانين والاتفاقيات الخاصة بتحرير التجارة العالمية، كما كانت هذه السيادة تخترق على أكثر من صعيد.
والحال أنه طالما لا شيء يبقى على حاله، وان سنة الحياة هي التغيير والتطور وعدم الثبات، نرى المشهد العربي ينحى نحو المزيد من الانحراف نحو التفتيت في حين ينحى الاتحاد الأوروبي إلى المزيد من التوحد.