في العدد الأخير من دورية شؤون خارجية الاميركية الواسعة الانتشار والتأثير مقالتان على قدر كبير من الأهمية تتناولان التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة الاميركية الآن. وتحدد كلتا المقالتين وجهة نظر المرشحين للرئاسة الاميركية القادمة سواء من خلال الحزب الديمقراطي أو من خلال الحزب الجمهوري تجاه كل ما يتعلق بالمسائل والقضايا الخارجية الاميركية المعاصرة.

ويعني ذلك أن القراءة المتأنية والمتعمقة لفحوى هاتين المقالتين تحدد في الغالب المسارات التي سوف تتخذها السياسات الخارجية الاميركية في السنوات الأربع القادمة من عمر الرئاسة الأميركية.

وما يهمنا هنا أن السياسة الخارجية الاميركية تحدد بدرجة كبيرة من التأثير مسار الأحداث في العالم العربي بسبب الدور الأميركي غير النزيه تجاه الصراع العربي الإسرائيلي من ناحية، وبسبب الضعف العربي المتواصل تجاه الهيمنة والنفوذ الأميركيين في المنطقة.

ما هى القضايا والنقاط الرئيسة التي وقفت عندها كلتا المقالتين؟

وهل تميزت أطروحات المرشحين الأميركيين الجدد بأية رؤى واستبصارات جديدة تجعلنا أكثر تفاؤلاً بالسياسات الخارجية الاميركية في العالم بشكلٍ عام وفي العالم العربي بشكلٍ خاص؟ وهل يمكن القول بوجود أية تمايزات جوهرية فيما بين رؤى هذين المرشحين وبين رؤى وممارسات الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش الإبن؟

تحت عنوان «تجديد القيادة الاميركية» كتب باراك أوباما السيناتور عن ولاية ايلينوي، والمرشح عن الحزب الديمقراطي لخوض سباق الرئاسة الاميركية القادمة، مقالاً يتناول فيه أسباب الضعف الأميركي الحالي، مؤكداً على ضرورة تجديد القيادة الأميركية، بما يسمح بالتعامل الجاد والواقعي مع التغيرات والتحولات العالمية المختلفة.

أهم ما يلفت النظر في مقالة أوباما تأكيده على أهمية الاستهداء بنهج الرؤساء الأميركيين العظام، والذين يحددهم أوباما بالإسم، أمثال روزفلت وترومان وكينيدي، هؤلاء الذين تعاملوا مع التغيرات العالمية المحيطة بواقعية وحكمة، ولم ينفصلوا عن المجريات الإنسانية العامة، من وجهة نظر أوباما!

وينبع تركيز أوباما على ضرورة تجديد نمط القيادة الأميركي من كونه مرشحاً عن الحزب الديمقراطي الأميركي من ناحية، وبسبب التهديدات المختلفة التي تواجهها أميركا من ناحية ثانية.

بالنسبة للجانب الأول يقدم أوباما نفسه في هذا السياق وكأنه نموذج يسير على نهج هؤلاء القادة الأميركيين العظام. وبالنسبة للمخاطر التي تواجهها أميركا، فإنه يحددها في أربع مخاطر هي: انتشار أسلحة الدمار الشامل، الإرهاب الكوني، ظهور بعض الأنظمة الحمراء ذات النزعات الثورية، وأخيراً ضعف الكثير من الأنظمة السياسية بما يوفر المزيد من مناطق الاضطراب والعنف.

ورغم هذه المخاطر والتهديدات المختلفة والمتنوعة التي تواجهها الولايات المتحدة الأميركية، فإن أهم ما يلفت النظر في مقالة أوباما أنه يدعو لعدم التشاؤم، الذي يفرض على البعض الإنغلاق الداخلي، وعدم التوسع والانتشار الأميركي في كافة مناطق العالم. يرى أوباما أنه من الضروري عدم الإنكفاء على الشؤون الداخلية الاميركية والبعد عما يتجاوز الحدود الأميركية.

ورغم أنه لا يتفق مع الموقف المتسرع من الحرب على العراق وما ارتبط بها من فضائح مختلفة شوهت صورة أميركا في العالم، فإنه لا يدعو للتقوقع الأميركي والبعد عن الشؤون الكونية، بقدر ما يدعو لإعادة ترتيب هذا التدخل الأميركي، بشكلٍ أكثر عقلانية وهدوءا.

وفي هذا السياق يطرح أوباما منظوراً يرى من خلاله أن أميركا لا تستطيع أن تواجه تهديدات القرن الواحد والعشرين بمفردها، كما أن العالم لا يمكنه أن يواجه هذه التهديدات بمعزل عن أميركا.

يغلف أوباما مقالته بلباس إنساني يرى من خلاله أن العالم يشترك في أمن واحد وإنسانية واحدة، وهو الأمر الذي يفضي في النهاية إلى ضرورة تعاون الولايات المتحدة الاميركية مع حلفائها في العديد من القضايا والشؤون الكونية المختلفة، وعلى رأسها الحرب ضد الإرهاب ومسائل البيئة والتلوث الكوني.

ورغم ذلك التأكيد السخيف على أمن إسرائيل وضرورة تدعيمها، بوصفها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، على حد قول أوباما، فإن أهم ما يلفت النظر في مقالته هو تلك الرؤية الشمولية التي ترى ضرورة العمل من أجل حل شامل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي كأساس لبناء شرق أوسط جديد بدون أن يوضح تفاصيل تلك الرؤية وكيفية تحقيقها.

وهو النهج نفسه الذي ينطلق منه أوباما في تصوره لكيفية العمل على إيجاد حل للوضع في العراق، حيث يؤكد على أهمية إيجاد حلول شاملة من أجل الشعب العراقي بأكمله، وليس من أجل طائفة على حساب طائفة أخرى.

في الجهة الأخرى تأتي مقالة مت رومني حاكم ولاية ماساتشوستس في الفترة من 2003- 2007، والمرشح عن الحزب الجمهوري في الانتخابات الاميركية القادمة، والمعنونة مواجهة التحديات الكونية الحالية لتؤكد حجم التحديات الهائلة التي تواجهها الولايات المتحدة الاميركية من وجهة نظر المرشح الجمهوري.

ينطلق رومني من التوجه نفسه الخاص بأوباما، والذي يؤكد من خلاله على أهمية العودة للأمجاد الاميركية العظيمة في النصف الأول من القرن الواحد والعشرين، والتأكيد على أهمية الدور الكبير والمؤثر لأميركا في إعادة تشكيل عالم ما بعد الحرب الباردة.

وفي هذا السياق، يرى رومني بوجود أربعة تحديات رئيسة تواجه الولايات المتحدة في الفترة الحالية وهى: ضرورة العمل على بناء قاعدة عسكرية أميركية أكثر قوة وتأثيراً، ضرورة عدم الاعتماد المفرط على مصادر الطاقة العالمية، ضرورة تدعيم دور المجتمع المدني العالمي والمؤسسات الدولية المختلفة، وأخيراً العمل على تدعيم وتقوية كافة الأطراف المتحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية.

لا تختلف المقالتان في توجههما العام عن بعضهما البعض، فكلاهما يحض على ضرورة توسع الولايات المتحدة كونيا، معتمدة في ذلك على ترسانتها العسكرية التي يجب أن تتوسع وألا تنكمش.

ومن المفارقات الغريبة أن كلا المرشحين يتفقان على ضرورة دعم الميزانية العسكرية للولايات المتحدة، مع ضرورة التوسع في القدرات العسكرية البشرية والتكنولوجية الخاصة بالجيش الأميركي. كما يتفق المرشحان على ضرورة مواجهة الإرهاب المتمثل بالطبع في الجهاد الإسلامي، الذي يجب أن تحتاط له أميركا، وتتخذ كافة السبل والوسائل من أجل مواجهته وكسر شوكته.

وفي هذا الإطار يمكن القول بأن السياسة الخارجية الاميركية مازالت تدور في فلك خلق العدو واستثمار وجوده، سواء أكان هذا الوجود فعليا أو وهميا أو كان ضعيفا أو قويا.

فاللافت للنظر أن السياسة الخارجية الأميركية، حتى وهى تمزج بين المصالح الاميركية المختلفة وبين التوجهات الإنسانية الكونية العامة لا تستطيع أن تحيا وتمارس أدوارها المختلفة بدون خلق عدو ما واستثمار وجوده. كما أنه من الملاحظ هنا عدم وجود أية فروق جوهرية بين خطابات هؤلاء المرشحين الجدد سواء أكانوا ديمقراطيين أو جمهوريين وبين الإدارة الاميركية الحالية.

فمازال خطاب السياسة الخارجية الاميركية يدور في فلك القوة العسكرية والتوسع الأميركي المفرط، إضافة إلى جر العالم خلف الكثير من السياسات الاميركية الحمقاء والكارثية في الكثير من الأحيان.

ورغم ذلك، فإنه يمكن القول بوجود إحساس مشترك بين المرشحين بمدى الأخطار الهائلة التي تواجهها أميركا مع مطلع الألفية الثالثة من عمر الكون. فالحديث عن ضرورة التشاور مع الحلفاء، والتأكيد على أهمية وجود حلف دولي من أجل مواجهة الإرهاب والتدهور البيئي يؤكد على أن أميركا لم تعد قاطرة العالم الحالي، بقدر ما أصبحت إحدى عربات المقدمة!

salehabdelazim@hotmail.com