كان ذهني منشغلاً هذا الأسبوع في الأحداث الدامية التي وقعت في قطاع غزة بين أعوان فتح ومؤيدي حركة حماس، وهي تطورات تنبئ بمزيد من التدهور للوضع الفلسطيني، الذي دخلت قضيته منذ مدة في مأزق عميق بات الخروج منه يحتاج إلى معجزة.

والحق أن الكتابة عن القضية الفلسطينية بالنسبة إلي من أشق الأمور ذلك أن ما أراه حلاً للصراع العربي الإسرائيلي (الذي بات يعرف بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي) هو إقامة دولة واحدة تتعايش فيها الأديان الثلاثة بسلام. بيد أن هذا الحل أضحى مع مرور الوقت حلاً غير واقعي ليس لعدم وجاهته، بل لعدم إيمان الأطراف المختلفة به وعلى رأسها بالطبع إسرائيل، التي تريد دولة يهودية خالصة.

غير أن استجواب مجلس الأمة الكويتي لوزير النفط الشيخ علي الخليفة الذي جرى الاثنين الفائت فرض نفسه علي، إذ لم أستطع تجاوز الإشارة إليه ذلك أنه حدث مهم في حياة الديمقراطية الكويتية وفي ممارسة الرقابة الشعبية على أداء الحكومة ممثلة بوزرائها.

ولعل حساسية هذا الاستجواب تكمن في أن الوزير المستجوب هو وزير من الأسرة الحاكمة فضلاً عن أن مادة الاستجواب وموضوعه متعلقان بقطاع مهم يمثل ثروة البلد وهو القطاع النفطي.

والحق أن أجواء التوتر تسود بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في كل مرة يقدم فيها استجواب لوزير، وكأنه يراد بهذا الحق الدستوري أن يكون حقاً شكلياً منصوصاً عليه بالدستور دون إعماله في واقع الحياة النيابية. ولعل هذا التخوف ناجم عن الكم الهائل من الفساد الإداري الذي بات يعشش في جنبات العمل الحكومي، ولولا ثروة النفط الهائلة التي تغطي الكثير من المساوئ لتأثرت حياة المواطن بتلك التجاوزات بشكل مباشر.

ولعله أيضاً أن حق الاستجواب هذا قد يستخدم للابتزاز ولتصفية الحسابات السياسية ويكون سيفاً مسلطاً على رقاب الوزراء كي يقوموا بخدمات لنواب مجلس الأمة تقوي وتعزز من مكانتهم بين ناخبيهم، في ظل استقطابات حزبية حادة تقودها التيارات الدينية التي تريد ثمناً لمواقفها.

ويترافق في كل مرة يتم فيها الحديث عن استجواب وزير، حديث آخر رديف له وهو حديث عن حل المجلس، وإذا كانت الحياة النيابية في الكويت قد شهدت قبل الغزو العراقي في العام 1990 توقيفاً وليس توقفاً خارج إطار الشرعية الدستورية، فإن الحلين اللذين شهدتهما الحياة النيابية بعد ذلك استندا إلى نصوص الدستور.

ولم تكن الأجواء التي سبقت الاستجواب الأخير استثناءً من تلك القاعدة، إذ راجت تكهنات بحل للمجلس وإجراء للانتخابات على النظام الجديد ذي الخمس دوائر. وقد قيل إن ذلك سيربك القوى السياسية وسيأخذها على حين غرة لأن الأمر في نظام الدوائر الجديد يحتاج إلى تحالفات سياسية مختلفة يستحيل عقدها والوصول إليها بين ليلة وضحاها.

والاستجواب أداة مهمة من أدوات الرقابة الشعبية التي تؤدي إلى تطوير أداء الحكومة وإصلاح الاعوجاج وردع الخروج على القانون واستغلاله لأصحاب النفوذ. وهو في ذات الوقت فعل سياسي بما يحمل هذا الفعل من استخدام لجميع أدوات الضغط والتأثير ومنها استخدام المعلومات ومخاطبة الجمهور، الذين عادة ما تغص بهم مدرجات المجلس في جلسة الاستجواب.

والضغط أيضاً على القوى المترددة وإحراجها كما في الاستجواب الأخير، حيث عرضت صور فاضحة للتأثير على قواعد الجماعات الدينية وبالتالي وضع ضغط على نوابهم. باختصار، الاستجواب ليس نقاشاً فلسفياً هادئاً تعرض فيه الحجج ليقتنع الفريقان بأقواها، إنها مناورات يقوم بها الطرفان مستخدمين ما في جعبتهما من أدوات الضغط.

ولعل ما يجعل استجوابات مجلس الأمة الكويتي ذات رنين وصدى هو ذلك الكم الهائل من الفساد الإداري الذي تشكو منه البلد، وتلك الممارسات الفاضحة التي يقوم بها البعض المتنفذ، ضاربين عرض الحائط بالقوانين واللوائح، مما يثير حفيظة المواطنين الذين يسارعون بالكشف عن تلك الممارسات المنحرفة وإبلاغها لممثليهم في مجلس الأمة.

وأيضاً ما يقوم به ديوان المحاسبة من وضع لتقارير مليئة بالتجاوزات المالية وغيرها. والحق أن تلك التجاوزات تنم عن جمود في نظرة أقطاب النظام للعملية الديمقراطية وعدم تكيفهم مع الأوضاع الجديدة رغم مرور أكثر من أربعة عقود على الحياة النيابية في الكويت.

فالنظام السياسي في الكويت قد تطور بنقلة نوعية بعد إجراء انتخابات المجلس التأسيسي في العام 1962 وإقراره لدستور عصري نقل المجتمع الكويتي من «نظام عشائري» - بحسب الدكتور أحمد الخطيب في مذكراته إلى «نظام دولة حديث». وكان من الصعوبة التكيف مع الوضع الجديد، فتم اللجوء إلى التزوير في العام 1967 والحل غير الدستوري في العامين 1976 و 1986.

وجاء الغزو العراقي للكويت في وسط انقسام في الرأي العام ومطالبة بعودة المجلس وتجمعات جماهيرية عرفت «بديوانيات الاثنين»، ليتوحد هذا الرأي العام أثناء الغزو ويقف بصلابة حول الشرعية ممثلة بأسرة الصباح الحاكمة. وظهر ذلك جلياً في مؤتمر جدة في أكتوبر 1990. إلا أن هذا المؤتمر أيضاً أكد على دستور العام 1962 ودعا إلى العودة لإعمال مواده المعطلة.

غير أن ممارسات الماضي ونمط الفعل السياسي استمرت دون أدنى اعتبار للمتغيرات العميقة التي حدثت في المجتمع جراء الغزو فضلاً عن تلك التي كانت أخذت بالتشكل على الصعيد العالمي. بل لقد استشرى الفساد أكثر وبدت روحية جديدة تسود وهي روحية «اغتنام الفرص».

ولاشك أن وجود مثل هذه الانحرافات والتلاعب بالمال العام وسوء استخدام السلطة وغيرها، تجعل من أي ممارسة للنائب لحقه الدستوري في الرقابة أمراً في غاية السهولة واليسر. وبالتالي، فإن أي استجواب سيحمل في طياته طرح الثقة بالوزير المستجوب لكثرة الثغرات القائمة في وزارته.

إن المجتمع الكويتي قد أثبت تمسكه بنظام المشاركة السياسية التي تم وضع أركانها في العام 1962 بدعم من أمير البلاد الراحل عبد الله السالم طيب الله ثراه، وهو يسعى بالوسائل الحضارية لتطوير أداء مؤسساته التمثيلية وإشاعة الديمقراطية في جوانب حياته المختلفة، وكم يثلج صدر الكويتي الآن حينما يرى بأن المناهج المدرسية أصبحت تعطي نبذة وافية عن النظام الدستوري في الدولة وأيضاً تدرس مادة حقوق الإنسان.

إن المطلوب هو أن يتطور أداء النظام وأركان السلطة وأن تسود ثقافة المشاركة والمحاسبة وأن تتغير العقلية السائدة في قمة الهرم ليتماشى كل ذلك مع متطلبات المرحلة الجديدة في التمثيل الشعبي، عندئذ سيكون الاستجواب إجراءً عابراً لا يثير أي انتباه.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com