تم تذكيرنا مجدداً مؤخراً بأنه في إدارة جورج بوش ليس هناك عمل صالح يمر من دون عقاب، وليست هناك فضيحة كبيرة للغاية بحيث لا يكون بالوسع حجبها إلى أن يتم نسيانها.
والمشهد المأساوي الذي تبدى للعيان داخل الجدران المتداعية لسجن أبو غريب في العراق عاد راعدا مع مقال كتبه سيمور هيرش الذي أصاب مرماه في مجلة «نيويوركر» والذي حكى قصة جنرال أمين أجرى تحقيقا وكتب تقريراً حول أحداث صدمت العالم أجمع.
الميجور جنرال أنتوني تاغوبا، وهو متقاعد من الجيش الأميركي، اختير بمحض الصدفة ليجري واحداً من تحقيقات البنتاغون الـ 17 حول الاعتداءات التي مورست على السجناء في سجن أبو غريب.
وقد تم اختياره لأنه كان جنرالا يحمل نجمتين، وهم كانوا بحاجة إلى شخص في رتبته للتحقيق في قضية تتعلق بجنرال ذي نجمة واحدة، والمشكلة كانت أن توني تاغوبا كان أميناً ومجتهداً وأبلغ رؤساءه بالتفصيل، في وقت مبكر وفي الغالب، بالأدلة التي كشف النقاب عنها، وهي فيلم وصور لإساءات أبشع كثيراً من تلك التي شاهدها الرأي العام.
حيث كانت هناك اعتداءات جنسية على سجينات من قبل حراسهن من العسكريين الأميركيين وإجبار والد وابنه الشاب على ممارسة أعمال جنسية، ولم يكن مخولاً بالتحقيق مع أي مستوى أعلى في التسلسل القيادي من بريجادير جنرال جانيس كاربينسكي، سيئة الطالع، ولذا فإنه لم يقم بذلك.
ولكن عندما أنجز تقريره، أمضى تاغوبا وقتاً عصيباً في إيجاد أي أحد في البنتاغون، حيث القوى المسؤولة هناك كانت مصممة على دفع المسؤولية إلى أسفل باتجاه ضابط صف برتبة سارجنت بل وإلى الحراس الأقل رتبة، ليقوم بقراءته.
وأعلن كل من الرئيس الأميركي جورج بوش ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع في تصريحات مسجلة أن المرة الأولى التي علما فيها بفضيحة أبو غريب كانت عندما شاهدا الصور الأقل بشاعة في أجهزة الإعلام، ولئن صدق القارئ ذلك، فسيكون من السذاجة.
بحيث يبتلع أي شيء يقال له، وفي غضون 48 ساعة من علم القيادة العليا في بغداد بأمر الصور للمرة الأولى، كانت القناة الخلفية تهتز بالرسائل الإلكترونية التي قدمت تفاصيل للفضيحة البشعة التي حلت بالمؤسسة العسكرية الأميركية وقادتها المدنيين.
وفيما كُشف النقاب عن التحقيقات، كان من الواضح أن الدافع الرئيسي لمعظمهم كان حماية رامسفيلد والرئيس من تحميلها اللوم أو المسؤولية عما ظهر للعيان في أبو غريب. واللوم يستقر قريباً من قاع أي بيروقراطية على نحو يمكن ترتيب الأمر.
وبسبب أمانته في الكشف عما كان مخفياً في العراق في تقريره وشهادته أمام لجان الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، وجد توني تاغوبا نفسه مهمشاً لفترة محترمة، ثم أُجبر على التقاعد. وأعرب الرئيس ووزير دفاعه عن صدمتهما ودهشتهما لقيام قلة من جنود الشرطة العسكرية الاحتياطيين القساة- قليل من «ثمار التفاح الفاسدة» ـ بمعاملة السجناء المحتجزين في عهدتهم بهذا السوء.
غير أنه كان من الواضح أن بوش وألبيرتو غونزاليس، مستشار البيت الأبيض القانوني، قاما بكل ما بوسعهما لإطلاق العنان للمستجوبين من المؤسسة العسكرية والسي آي إيه وتحريرهم من معوقات معاهدة جنيف والحس الإنساني.
هناك من يعرفون أن رامسفيلد نفسه قد أصدر أوامره للميجور جنرال جيف ميلر، الذي يدير دفة الأمور في مركز الاعتقال في غوانتانامو بكوبا لجلب «فريق النمر» من الاختصاصيين في الأساليب القاسية للاستجواب لأبوغريب في صيف عام 2003 وإشراك من هم هناك في معارفهم، وتم تأنيب اثني عشر شخصاً في سلسلة القيادة أو في حالة الجنرال كاربينسكي، أنزلت رتبهم. وستة من المجندين الاحتياطيين تمت محاكمتهم وحُكم عليهم بالسجن بسبب أفعالهم.
رمى الرئيس ورجاله ورامسفيلد ورجاله أيضا، بسعادة، قضية أبو غريب وراء ظهورهم ومضوا مرحين في سبيلهم قدماً، وهم على علم بأن شبكة السجون السرية لوكالة المخابرات المركزية حيث السجناء ذوي القيمة عرضة لأساليب صارمة للاستجواب كانت لا تزال السرية تحوطها.
لم يفت على القادة العسكريين في الميدان أو الوطن جعل جنرال إريك شنيسكي رئيس أركان الجيش وجنرال تاغوبا عبرة لمن يعتبر: إذا كنت تجرؤ على قول الحقيقة أمام السلطة في هذه الإدارة، فإنك تكون قد خسرت وظيفتك، وأي آمال عقدتها للحصول على وظيفة مريحة في شركة عملاقة في صناعة الدفاع قد تلاشت.
لقد آن الأوان منذ وقت طويل لقيام الكونغرس بإعادة فتح قضية من المسؤول الحقيقي عما جرى في أبو غريب، أياً كانت العواقب المترتبة على ذلك، وإن كانت تعني توجيه أصابع الاتهام إلى منزل تقاعد وزير الدفاع السابق أو أبواب البيت الأبيض نفسه.
كم عدد الجرائم والجنح الخطيرة التي سيتم كشفها في الشهور المقبلة؟ كم من الوقت سيستغرق تنظيف البيت الأبيض والبنتاغون وجميع الوكالات الأخرى في حكومتنا وتلميعها وترميمها عندما تخرج هذه المجموعة منها.
دعنا نبدأ الآن تواً عن طريق استخدام أمر الاستدعاء للمثول أمام القضاء ضد كل الجرذان التي تصطف على الجبال التي تربط السفينة الغارقة بالبر ـ والوصول إلى قمة كل فضائح هذه الإدارة المؤسفة واحدة إثر الأخرى.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»