بالأمس القريب كنا على موعد في «مؤسسة العويس» مع هرم من أهرامات مصر في مجال البحث العلمي والتكنولوجي، وعالم من علماء العرب الكبار، وسفير علمي دائم في أكبر معاقل العلم في العالم «وكالة ناسا»، إنه الدكتور فاروق الباز، كان لنا الشرف في الوقوف أمام عالمنا الجليل، كمحاورين ومحللين ودارسين لأحدث كتبه «ممر التنمية والتعمير وسيلة لتأمين مستقبل الأجيال في مصر».

يأتي هذا المشروع كحل لمشكلات مصر الاقتصادية، حيث يراهن الدكتور «فاروق الباز» على ممر «مقترح» للتعمير مواز لنهر النيل، ويمتد من البحر المتوسط حتى الحدود الجنوبية للبلاد بالصحراء الغربية التي يشير إلى إمكانية ترويضها واستثمار مساحتها البالغة ثلثي مساحة مصر.

حيث سيؤدي المشروع لإنشاء عدد كبير من المشروعات السياحية والتنموية في الصحراء، والكتاب يقع في «188» صفحة متوسطة القطع ومزود بعشرات الرسوم البيانية والخرائط التوضيحية والصور المأخوذة بالأقمار الصناعية وأجهزة الرادار.

وأوضح د. الباز في مقترحه حول ممر التنمية والتعمير، أن هذا المشروع يمثل نواة للتوسع العمراني والزراعي والصناعي والتجاري والسياحي على مسار «12» محوراً يصل طولها الكلي إلى «1200» كيلو متر، تبدأ من التكدس السكاني على نهر النيل.

وتمتد غرباً حتى تصل إلى طريق موازٍ، من ساحل البحر المتوسط شمالاً حتى بحيرة ناصر في الجنوب بطول «12000» كيلو متر تقريباً، وعلى مساحة تتراوح بين 20 و30 كيلو متراً من حافة هضبة الصحراء الغربية.

ويرى د. الباز أن إمكانية تطبيق المشروع في الوقت الحالي أفضل بكثير عن الآونة الماضية لإمكانية الاعتماد على استثمارات القطاع الحربي الخاص والعالمي، فضلاً عن توفير فرص العمل ووسائل النقل.

ويتميز هذا المقترح بعدم التعدي على الأراضي الخصبة والزراعية، والحد من التوسع العمراني في وادي النيل من خلال إقامة تجمعات سكانية ومشروعات تنموية في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية في الشريط المتاخم لوادي النيل في الصحراء الغربية لما يتواجد به من مساحات شاسعة تصلح للزراعة إلى جانب وفرة المياه الجوفية.

تحدث د. الباز عن «ممر التنمية والتعمير» وإمكانية تطبيقه في الصحراء الغربية، ودعا إلى توظيف تكنولوجيا المعلومات في رصد وتحليل المعطيات، وبدأ بالإشارة إلى المشروع من خلال العناصر التالية:

1ـ التعريف بالصحراء الغربية ، وأسباب اختيارها في تنفيذ «ممر التنمية والتعمير».

2ـ الصور الفضائية، وأهميتها في اكتشاف التفاصيل الدقيقة للأماكن الصحراوية.

3ـ نظم المعلومات الجغرافية، والتي تثري الدراسات العلمية الديمغرافية «السكانية» وكيفية الاستفادة منها في تنفيذ ممر «التنمية والتعمير».

4ـ أهمية النقل في مصر في ما يتعلق بتسهيل عمليات النقل العالمية والمحلية، مما يحد من الازدحام في المدن.

5ـ تناول مكونات مقترح ممر التنمية والتعمير الرئيسية.

6ـ تاريخ عرض المشروع.

وسوف نتناولها بالتفصيل من خلال التالي:

1ـ الصحراء الغربية: أوضح د. الباز تميز الصحراء الغربية بهطول أمطار غزيرة، والتي كانت تغذي أنهاراً عديدة، بالإضافة إلى وفرة المياه الجوفية بها والتي تلزم في إنجاز «ممر التنمية والتعمير».

2ـ الصور الفضائية: أشار د. الباز إلى أهميتها، نظراً لكونها من الآليات التكنولوجية المهمة التي تساعد في اختراق المكونات الفضائية واكتشاف أجزائها التفصيلية، وتوضيح تضاريس الصخور وأنواعها وأماكن تجمع الرمال.

فضلاً عن قدرتها في متابعة التغيرات المناخية الحالية والمستقبلية، وتوافر المعلومات الرادارية والصور الحرارية، واستخدامها في توضيح الأجزاء الرقيقة من الكرة الأرضية من خلال تجميع وبث المعلومات الرقمية آلياً في أقل وقت ممكن، ولها أهمية قصوى للبلدان النامية، نظراً لقصور خرائطها التي تسمح باكتشاف الثروات الطبيعية.

3ـ نظم المعلومات الجغرافية: يعتبرها د. الباز من المتطلبات المهمة التي يجب توافرها في البيئة المصرية لإعداد الخبراء للقيام بعمليات التنسيق والمتابعة في جمع وتصنيف وتخزين المعلومات، وبالتالي تحليل المعلومات حتى يسهل على صانع القرار اتخاذ القرارات السليمة، مشيراً إلى توظيفها في العديد من المؤسسات الحكومية المصرية كمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء.

4ـ أهمية النقل: يمثل النقل من وجهة نظر الكاتب البوابة الأولية لقاطرة التقدم الاقتصادي والتكنولوجي، والذي يفتح آفاقاً جديدة للتوسع العمراني والصناعي والزراعي والتجاري والسياحي، مما يقلل الضغط في الأماكن المكدسة بالسكان.

5ـ ما هو ممر التنمية والتعمير: أشار د. الباز إلى أن الممر يقع في سطح مستوٍ من الصحراء الغربية، بموازاة وادي النيل، الذي يتميز بخلوه من الجبال والتلال والمنخفضات، ويقوم بالأساس على خمسة مكونات أساسية هي:

1ـ محور طولي: للسير السريع بالمواصفات العالمية يبدأ بالقرب من العلمين ويستمر حتى حدود مصر الجنوبية بطول 200 .1 كيلومتر تقريباً.

2ـ محور عرضي: يمثل الموقع الإنمائي الرئيسي لممر التنمية والتعمير، والذي يشمل اثني عشر محوراً من الطرق العرضية التي تربط الطريق الرئيسي بمراكز التجمع السكاني على طول مساره بطول كلي حوالي 200 .1 كيلومتر. يمتد ثمانية منها في الصعيد وثلاثة منها في مواقع رئيسية بالدلتا، وآخر في منخفض الفيوم مما يسمح بالامتداد العمراني.

3ـ شريط سكة حديد للنقل السريع بموازاة الطريق الرئيسي.

4ـ أنبوب ماء من بحيرة ناصر جنوباً وحتى نهاية الطريق على ساحل البحر المتوسط للاستخدام الإنساني على طول المحور الطولي.

5ـ خط كهرباء يؤمن الطاقة في المراحل الأولية للمشروع لحين تيسير مصادر الطاقة المتجددة للمشروعات الإنمائية مستقبلاً.

ويفضل د. الباز توظيف التقدم التكنولوجي والبدء بالمحاور العريضة التي تتعلق بالجانب التنموي حتى نتمكن من السيطرة على صعوبات المحور الطولي.

ومن خلال العرض السابق يتضح أن «ممر التنمية والتعمير» يمثل البوابة الأولية لانطلاقة الاقتصاد المصري، حيث يتميز بالشمولية في كافة المجالات التنموية الزراعية والصناعية، والتكنولوجية، والعمرانية، والسياحية، بشكل يتلاءم مع احتياجات وإمكانيات المناطق التي يقام عليها.

حيث قام الكاتب بتحديد العناصر والمكونات الرئيسية ثم تحديد المحاور الفرعية له، موضحاً مميزات وعيوب كل محور، ومقترحاً العديد من آليات الحل لمواجهة هذه العيوب.

فضلاً عن تميزه بالدراسة التفصيلية المتعمقة والدقيقة التي تقوم على المعايير العلمية والخبرات الفنية المتخصصة، ووضع دراسة جدوى للممر شاملة النواحي الاقتصادية، والديمغرافية، والأطر المكانية، والزمنية التي يتم خلالها إنجاز المشروع، حيث اقترح د. الباز أن يكون هناك تخطيط طويل المدى تقام عليه الخطة الكلية للممر، والتي تنقسم إلى خطط خمسية فرعية.

بحيث يتم تنفيذ البنية التحتية للمحاور العرضية «الاثني عشر» أولاً، وفي الخطة الخمسية الثانية يتم تنفيذ الخطوات التالية للمشروع بشكل يحقق الاتساق مع تنفيذ المحور الطولي، حيث يتطلب هذا إنشاء محور طولي من الشمال إلى الجنوب لربط المحاور العرضية، كما راعى الكاتب المنافع الاقتصادية المهمة التي ترقى بالاقتصاد المصري.

ورغم تعرض الممر المقترح للعديد من الآراء النقدية التي يشير بعضها إلى كونه غير ملائم في الآونة الحالية، أو أن مشروعات سابقة مشابهة ـ مثل توشكا ـ فشلت في تحقيق أهدافها، وبالتالي لا يختلف هذا المشروع عن سابقيه، أو يرى البعض أن هناك مشروعات لها أولوية تفوق أهمية هذا المشروع.

إلا أن كل هذه الآراء تعبر عن عدم الاطلاع على تفاصيل المقترح وعدم الإلمام بها، حيث يتميز المشروع بالتكامل وقد وجد ترحاباً من متخصصين من كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لما سيحققه من فتح مجالات جديدة للعمران والاستثمار والتوسع الزراعي؛ مما يؤدي في النهاية إلى خلق مئات الآلاف من فرص العمل في شتى المجالات.

فضلاً عن توافر مواقع جديدة للسياحة والاستجمام في الصحراء الغربية بالشريط المتاخم للنيل، وفتح آفاق للاستثمار المحلي والعالمي لتمكين الاقتصاد المصري من مواجهة مشكلة التكدس السكاني، وحل مشكلات البطالة والتشغيل، فمع تنفيذ هذا المقترح سوف ترتقي مصر باقتصادها المحلي ويرفع من مكانتها إقليمياً ودولياً.

ونظراً لاهتمام عالمنا الجليل بالعالم العربي، وصدور عدة دراسات له حوله، فإننا نتطلع إلى أن يشمل دولة الإمارات باهتمامه، وأن يقدم لها أفكاره الجريئة والعلمية، فالإمارات قد أثبتت في السنوات الأخيرة قدرتها على اقتحام عالم التحديث، وتطبيق الأفكار الجريئة، فإذا كان العلم هو الأساس، ودراسة الجدوى هي المرتكز، فهذا هو مبدؤنا: العلم والدراسة والجرأة في التنفيذ.

ومرة أخرى نرحب بضيفنا العزيز ومن العيار الثقيل، وعالمنا الجليل في بلده الثاني دولة الإمارات العربية المتحدة.. (وإعمار يا مصر إعمار)!

جامعة الإمارات