يميل «الإسلاميون» بحكم الأيديولوجيا إلى رفض أن يأتي التغيير أو الإصلاح السياسي بضغوط من الخارج، فهم بحكم تكوينهم الفكري والنفسي، يرفضون الكثير مما يأتي من الغرب، ويربطون أي محاولة خارجية ضاغطة في اتجاه إصلاح الأوضاع السياسية في البلدان الإسلامية بالهيمنة الاستعمارية، بل يذهبون إلى حد إحالة هذه المحاولة إلى استراتيجية غربية ترمي إلى النيل من الإسلام ذاته.
وتحفل الأدبيات الأولى للجماعات الإسلامية بهذا التصور، فها هو كتاب «الفريضة الغائبة» لمحمد عبدالسلام فرج، الذي يعد «النص» الأساسي الذي دار حوله فكر «تنظيم الجهاد»، وكتاب «ميثاق العمل الإسلامي»، الذي يعتبر «دستور» الجماعة الإسلامية.
وكذلك وثيقة «حتمية المواجهة» للجماعة نفسها، تحتشد بما يفيد بأن «العدو الخارجي» للحركة الراديكالية الإسلامية المصرية يتمثل في الغرب عموما خصوصا المؤسسات الدينية، والولايات المتحدة التي هي (الطاغوت الأكبر) في نظر هذه الحركة، وإسرائيل، إلى جانب حكومات الدول الإسلامية ما عدا التي تطبق «الشريعة الإسلامية».
وقد فصلت وثيقة «معالم العمل الثوري» لتنظيم الجهاد هذه النقطة، حين ذكرت أن «ما يسمى بالقوتين العظميين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي) إن هي إلا قوى تسعى إلى تكريس الجاهلية واستنزاف الشعوب.
وإن هيئة الأمم المتحدة أفرزتها الجاهلية الحديثة، وما هي إلا جسد متهالك من حيث الدور، ولا تستطيع إلا خدمة مصالح القوى الجاهلية المتحكمة فيها. وإن شعوب العالم المحتلة إن هي إلا شعوب مقهورة دون حقها، وما زالت قوى الاحتلال تمارس دور القرصنة عليها في ظل غياب الرادع الإسلامي العادل.
وإن لليهود أطماعا عالمية يسعون إلى تحقيقها من خلال منظمات أخطبوطية لها تواجد دولي نشط، ولها حجم كبير من التأثير على مراكز صنع القرار في العالم. وإن الرأسمالية العالمية هي صورة جديدة من صور الاحتلال المقنع الذي يسعى إلى السيطرة على مقاليد الأمور في العالم.
كما يسعى إلى تحقيق أطماع ورغبات الدول الرأسمالية في الدول الخاضعة لها سواء بتحطيم عقائد شعوبها أو النظم الحاكمة فيها بهدف نزج مواردها الاقتصادية والبشرية لتحقيق مصلحة كبار الرأسماليين».
ومن قبل وضع سيد قطب في كتابه «المستقبل لهذا الدين» رؤيته حول العداء، الذي يكنه الغرب عموما للإسلام، والجهود التي يبذلها في سبيل عرقلة «الصحوة الإسلامية»، وكيف أن هذه الصحوة ستنتصر في النهاية على أعدائها، وتعيد أمجاد الحضارة الإسلامية.
ولم يقف تنظيم الجهاد عند حد توصيف حالة الغرب وانتقاد علاقة «التبعية» و«الموالاة له» بل تضمنت وثائقه اقتراحات لمواجهة «الغرب» عموما، منها التصدي لكافة أشكال هيمنته، وشن حرب فكرية على ما يطرحه من أفكار لوأدها في مهدها، بما ينقل المعركة إلى أرض العدو ويحوله إلى موقع الدفاع، والتخلص من الارتباط بالغرب أو الشرق وتحرير القرار السياسي بتحقيق الاكتفاء الذاتي وقيام سوق إسلامية مشتركة، وتوعية الأمة نحو المقاطعة لكافة البضائع والخدمات الواردة من الغرب وإسرائيل.
والتصدي لمحاولات الغرب تقويض المشروعات الإسلامية بالتواطؤ من الأنظمة الحاكمة، واستعادة رؤوس الأموال الإسلامية من البنوك الأجنبية، وكسر الطوق الخلفي الذي يفرضه الغرب الأوروبي بالتفافه حول الجسد الإسلامي في دول القارة الافريقية.
وقد انعكس هذا التصور المبدئي على رؤية الحركة الإسلامية المصرية لمشروع «الشرق الأوسط الكبير»، الذي أطلقته الولايات المتحدة كمبادرة للإصلاح في العالم العربي من وجهة نظرها.
فما إن أعلن عن هذا المشروع حتى سارع الاخوان إلى رفضه، واصفين إياه في بيان للمرشد العام مهدي عاكف بأنه « طريقة لفرض الوصاية أو العودة لعهود الانتداب من جديد بشكلٍ كاملٍ وشاملٍ، تفتق ذهن الإدارة الأميركية عنها، في شكل مبادرة قديمة جديدة، أُطلق عليها مشروع (الشرق الأوسط الكبير)، الذي يَعُدُّ الكيان الصهيوني إحدى ركائزه الأساسية ..
وقد اتخذت الإدارة الأميركية مسألةَ الاستبدادِ والطغيان وسحق الكرامة الإنسانية للمواطنين في العالم العربي والإسلامي، والعصف بحقوقهم القانونية وحرياتهم العامة، وشيوع الفساد، والتخلف الحضاري، وانتشار الفقر، وقلة الإنجازات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، مبررًا لإطلاق هذه المبادرة ..
ونسيت أو تناست أنها الداعمة القوية لكل صنوف الديكتاتورية والاستبداد، وأنها تخطط دائمًا لبقاء الدول العربية والإسلامية في عزلة عن العلم والتقدم، وأنها تستغل الظروف الاقتصادية المتردية لهذه الدول لمزيد من التبعية لها، والدوران في فلكها».
وانحاز الإخوان إلى الإصلاح من الداخل «بيدنا»، وأسسوا مبادرتهم للإصلاح على «رفض كل صور الهيمنة الأجنبية وإدانة كافة أشكال التدخل الأجنبي في شؤون مصر والمنطقة العربية والإسلامية».
ومن قبلها بيان الرد على مشروع «الشرق الأوسط الكبير»، الذي جسده هو الآخر هذا التوجه بجلاء حين قال «إن مسألة التحديث والإصلاح على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي لابد وأن تنبع من داخل الشعوب العربية والإسلامية، حتى تكون متسقةً ومتوافقةً مع هوية الأمة وخصوصيتها الثقافية وميراثها الحضاري، و لضمان ديمومتها واستمرارها، وكي نَدرأ عن أنفسنا مَغبَّة التدخل والوصاية، وفرض قيم تهدد أمننا واستقرارنا».
ولم يكتف الإخوان بالرفض، بل دعوا إلى وقفةً جادةً من الأنظمةِ الحاكمةِ، ومؤسساتِ المجتمع المدني والأحزاب والقوى السياسية والشعوب ضد الولايات المتحدة، بأخذ زمام المبادرة والإسراع في إجراءات إصلاح حقيقية، ثم أقدموا هم أنفسهم بعد ذلك على طرح مبادرة للإصلاح.
ورغم أن الأحزاب الإسلامية المصرية تحت التأسيس أعلنت برامجها قبل إطلاق «مشروع الشرق الأوسط الكبير»، والجدل الدائر حول اتجاه الإصلاح (من الداخل أم من الخارج) فإن هذه البرامج انطوت على مبادئ عامة ترفض الهيمنة الأجنبية.
وتشدد على الخصوصية الحضارية، ما يعني في خاتمة المطاف إنها تنحاز إلى الإصلاح من الداخل. فبرنامج «حزب الوسط»، ينادي ب(ضرورة قيام الأمة بصيانة أمنها القومي، وتنفيذ مشروعها الحضاري المتميز).
وينبه حزب الشريعة إلى إدراك «موقعنا من الصراع الكوني الحاصل، والمسمى تارة النظام العالمي الجديد وتارة أخرى بالعولمة، وحين يصل إلى منطقتنا يترجم على أنه السوق الشرق أوسطية، التي تقوم لتحقيق أهداف إسرائيل، واستغلال ثرواتنا».
أما حزب الإصلاح فيعبر عن موقفه في هذا المضمار بالقول: «الأطروحات الاقتصادية والسياسية مثل الشرق أوسطية والمتوسطية هي مشروعات تهدف إلى إلغاء الهوية العربية، ودفن أي مشروع للنهضة يستند إلى الإسلام والعروبة».
لكن هناك أمرا لا يمكن إغفاله في هذا المقام، هو أن (الإسلاميين) حاولوا، شأنهم شأن كثيرين في مصر، استغلال التطور الأخير في النظام الدولي ، لتفكيك السياق الداخلي الاستبدادي المتصلب.
اعتمادا على لحظة تفاؤل وطنية وليست انتهازية، سرت، وربما تتراجع الآن تدريجيا، بفعل ما جرى في العراق على أنه قد قدم درسا بليغا للأنظمة الحاكمة في العالم العربي، التي لا يريد أي منها أن يجد نفسه في موقع نظام صدام حسين، من زاوية علاقته بالجماهير العراقية الغفيرة، وممارساته التي جعلته مجرد قشرة صلبة تحوى بداخلها هواء مشبعا بالفساد.
وعلى سبيل المثال لا الحصر حاول الإخوان فتح باب للحوار عام 2003 مع «الآخر»، الأوروبي الذي يمثل بابا أيضا للأميركي، ثم مع الأميركيين أنفسهم عام 2007.
ورغم أن هذه المحاولات لم تسفر عن اختراق ملموس في الواقع، إلا أنها برهنت على عدم ممانعة «الإخوان» من التعاون أو التفاهم مع الآخر الغربي، في سبيل تمكينهم في الداخل، شرط ألا يأتي هذا على حساب المصالح الوطنية الحيوية، أو ما تراه الجماعة «ثوابت» لا يمكن التنازل عنها.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة