مطلوب من صاحب الموقف أن يدفع الثمن مضاعفاً، ثمن اتخاذه موقفاً معيناً قد يخالف مواقف الوسط الذي يتحرك فيه العمل ربما أو العائلة أو الأصدقاء، وثمن تفكيره أساساً في أن يكون مختلفاً وضد عقلية القطيع، فالمطلوب أن يتحرك الجميع كالقطيع ليعيشوا في الحظيرة بأمان! أما إذا فكروا فيما وراء السياج فالويل والثبور، وكما تفعل الدولة العظمى بالدولة المارقة التي تسميها محور الشر.. تقطع المساعدة وتضرب الحصار، ويتم تأليب الأعوان، وتعلن الحرب فيما بعد!!
هذا الأمر لا يتوقف عند حدوده القصوى بمعنى أن الحديث هنا ليس عن معارضة ومواقف سياسية ففي بلادنا لا وجود لمثل هذه الأمور، لكن نتحدث عن معارضة مواقف داخل المؤسسة، داخل الوزارة، داخل المدرسة وداخل المكتب... وهكذا، إذا لم تكن معنا فأنت ضدنا وحقت عليك الحرب، أما الحرب فحدث ولا حرج!
اختلفت مع مدير ذات يوم وحين طلبت منه رسالة توصية كتب في حقي ما يشبه شهادة الزور، وحين قرأت الرسالة أصبت بقشعريرة الصدمة لكنني فهمت الدافع واحتفظت بالرسالة لوقت الحاجة!!
هكذا إذا اختلفت مع أحد، خاصة إذا كان صاحب نفوذ ودالَّة في المجتمع، وإذا كنت ممن لا حول لهم ولا قوة، أو كنت ممن لا يجيدون خوض المعارك القذرة وشهادة الزور فرسالة التوصية ليست الطريقة الوحيدة لمحاربتك فهناك وسائل لا تخطر على البال!
حين أسمع قصص البعض ممن حاولوا إثبات أنفسهم واختلفوا مع رؤسائهم وإداراتهم تصيبني الصدمة وتهطل على رأسي الأسئلة حول مصير هؤلاء الذين أرادوا أن يجربوا قدراتهم، في أمكنة أخرى، أتساءل من ينصفهم ولمن يشتكون أو يتوجهون؟ حين سألت بعض هؤلاء، قال بعضهم ليس أمامنا سوى الرضوخ للمنطق السائد فنحن أضعف من مقاومة هؤلاء، بينما أصر البعض الآخر على قبول الحرب حتى النهاية ومهما تكن الخسائر!!
تحدثت إلى سيدة تعرضت لظلم في عملها ما اضطرها إلى تقديم الاستقالة، ولأنهم في العمل يحتاجون إليها فقد عرقلوا استقالتها، لكنها كانت على الطرف الآخر تعد العدة للانتقال إلى عمل جديد والعقد جاهز للتوقيع، وحينما علموا بذلك وصلوا لتلك الجهة وعرقلوا لها توقيع العقد، فحين اتصلت لتحديد موعد للتوقيع أخبروها في شؤون التوظيف بأن الإجراءات كلها أوقفت لتدخلات خارجية!!
هذه القصة حدثت مع أحد الشباب الذين أرادوا العمل مع مؤسسة ما وكان في طريقه لتوقيع العقد فاتصلوا به في آخر لحظة معتذرين.. أين الحديث الكبير عن الشفافية إذن؟ أين الحديث الكثير عن محاربة الظواهر السلبية في بيئة العمل، هناك من يدفع أثماناً بالغة من دون داعٍ، لأن الخلاف والاختلاف حقان مشروعان طالما لم يقودا إلى ضرر أو إضرار، وبدل أن تتحقق مقولة اختلاف الآراء لا يفسد للود قضية، صار السائد اختلاف الآراء يفسد حياة من يفكر في الاختلاف!!
