أمس وبعد عشر سنوات في الحكم، غادر رئيس الحكومة توني بلير 10 داوننغ ستريت وسلّم المفتاح إلى خليفته ومنافسه القديم، في الحزب غوردن براون، حقبة انطوت وصارت معروفة علاماتها الفارقة، وأخرى جديدة بدأت ومن السابق لأوانه الحكم عليها؛ في مجال السياسة الخارجية. صاحبها غامضة توجهاته ومواقفه.

في هذا الخصوص، السؤال: هل يواصل خط سلفه ويبقى بمثابة الملحق لسياسة واشنطن أم أنه يسارع إلى وضع فاصل ولو بسيط بينه وبين هذه الأخيرة؟

السلف المغادر التصق إلى حدّ التطابق، مع سياسة إدارة بوش الخارجية، وبالذات في الشرق الأوسط، الصحافة في بريطانيا أطلقت عليه تسمية «التابع» لجورج بوش. تبعية أدّت إلى الإطاحة به، حرب العراق فعلت به كما فعلت بالرئيس الأميركي. تسببت في تآكل رصيده؛ و بالنهاية في إغراقه.

انكشاف تلفيقاتها وانفضاح التلاعب بالمعلومات الاستخباراتية لتسويغ شنّها أديا إلى إجباره على الانسحاب من الملعب السياسي؛ ليدخله من باب جانبي: باب تعيينه مبعوثاً خاصاً للرباعية الدولية، في الشرق الأوسط.

طبعاً، الرجل يملك تجربة مهمة ومؤهلات عالية؛ لمثل هذا الدور. لكن هل يقوى بلير الطالع من عباءة بوش، أن ينهض بمثل هذه المهمة وفي هذا الوقت بالذات؛ حيث تمرّ القضية وكذلك المنطقة، بأخطر مراحلهما؟ ثم ما عساه أن يحقق اليوم ومن هذا الموقع، ما لم يحققه أو يدفع باتجاه تحقيقه؛ حين كان في موقع القرار؟

بعض المعلومات المتداولة تفيد أنه قد تمت الاستعانة به؛ ليكون المهندس المشرف على تركيب بناء فلسطيني مؤسساتي سياسي واقتصادي؛ قابل للحياة. توصيف يزيد من الالتباس والغموض. لاسيما وأنه، كما تردد، سعى إلى هذا الدور وقام بطبخه مع الرئيس بوش وبدعم منه؛ بالرغم من تحفظ الأوروبيين والروس،

وليس سراً أن بلير يغادر رئاسة الحكومة وهو معطوب بضعف مصداقيته بسبب حرب العراق، ثم ما هو هذا البناء، المطلوب منه أن يتولى الإشراف على إقامة صرحه؟ إذا كان دولة فلسطينية؛ فذلك لا يحتاج إلى وساطة؛ يحتاج إلى الدخول في مفاوضات التسوية النهائية. الأمر الذي ترفضه إسرائيل. بل ترفض المجيء على ذكره.

قبل أيام، في قمة شرم الشيخ الرباعية، تجاهل أولمرت مطلب البدء بمثل هذا التفاوض، الذي دعا إليه الرئيس الفلسطيني. ولا شك أنه رفض بمباركة أميركية وحصر العمل في هذه الفترة، بما يسميه «إجراءات بناء الثقة»، ترجمة ذلك: تأجيل أي بحث في الوقت الراهن وحتى إشعار آخر، بالأمور الخلافية الجوهرية. أي بإقامة الدولة الفلسطينية العتيدة.

في هذا الإطار، لن يكون هناك أي دور للمهندس بلير، سوى توظيف حنكته لإدارة الأزمة؛ على قاعدة ما انتهى إليه الصراع الفلسطيني المؤسف أخيراً. وفي أحسن الأحوال، المفتاح في واشنطن وليس مع بلير، الذي ليس هناك ما يشير إلى أنه يعتزم أن يكون معها في فلسطين على خلاف ما كان في العراق.