ما أشبه ما نراه ونسمعه في كل من فلسطين ولبنان. فريقان يتناحران سياسياً وإعلامياً وحتى ميدانياً في الوقت الذي يجري الحديث عن الاستقلال والسيادة ورفض الوصاية الأجنبية وغيرها من الشعارات الرنانة التي لا مضمون فيها ولا محتوى.

فالحديث عن الاستقلال والسيادة في هذا الزمن هو الحديث حقيقة عن طبيعة التحالفات السياسية والعلاقات الإقليمية والدولية التي يريد أن يقيمها فريق ما أو سلطة ما في بلد ما من بلدان العالم وخاصة العالم الثالث.

عندما سئل أحد الاستراتيجيين البريطانيين عن الاستقلال والسيادة بعد انهيار الكتلة الشرقية وسقوط الاتحاد السوفييتي أجاب بأنه هناك استقلال وسيادة مطلقة عند طرف واحد وهو الولايات المتحدة الأميركية، أما دول الاتحاد الأوروبي والدول الصناعية الكبرى الأخرى في العالم فهي تتمتع باستقلال وسيادة الحكم الذاتي، أما باقي دول العالم ـ المقصود بالعالم الثالث ـ فهي واقعة تحت الهيمنة الخارجية ولا تتمتع بالاستقلال أو بالسيادة.

قد يكون هذا التقييم مبالغاً فيه وخاصة عندما يتعلق الأمر بدول معينة في العالم الثالث، ولكن واقع الأمور وحقيقتها تشير إلى أن مدى الاستقلال والسيادة يقاس بمدى الاستقلال السياسي والاقتصادي والتنموي والعسكري لأي دولة أو حزب أو جماعة.

فمثلاً عندما يتحدث فريق المولاة في لبنان عن الاستقلال والسيادة ورفض الوصاية الأجنبية يكون عملياً يتحدث عن العلاقات اللبنانية ـ السورية فقط وليس عن العلاقات اللبنانية مع معظم الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأميركية.

وهذا الأمر قد يكون منطقي وليس مستغرباً لاسيما عندما نتحدث عن السياسات الواقعية الدولية أو ما تسمى ب«Real Politik «، بمعنى أن فريق المولاة الذي رفض أن يستمر الوجود العسكري السوري في لبنان بعد عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري لجأ إلى ما يسمى بالمجتمع الدولي وتحديداً فرنسا والولايات المتحدة لاستصدار قرار أممي يطلب من دمشق سحب قواتها العسكرية خارج الأراضي اللبنانية،

والتوقف عن التدخلات السياسية بالشأن اللبناني الداخلي وإلا فإن دمشق قد تواجه عقوبات دولية، ولكن فريق المولاة في لبنان الرافض للتدخل السوري بشؤونه الداخلية وافق على تدخل دول أجنبية أخرى في شؤونه الداخلية، وخاصة الولايات المتحدة،

وسمح بدخول قوات دولية إلى أراضيه بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام الماضي، ورهن اقتصاده وتنميته بيد «أسرة باريس» التي وعدت في مؤتمراتها الثلاثة بتقديم المعونات المالية وغيرها لمساعدة لبنان، وطبعاً الجميع يدرك أنه ليس هناك مساعدات مادية أو عسكرية أو سياسية مجانية تمنح لهذا الفريق أو ذاك البلد دون مقابل، ولكن توجد أثمان محددة ومتفق عليها يجب تقديمها مقابل هذه المساعدات.

أما في فلسطين المحتلة وأشدد على كلمة المحتلة لأنه يبدو أن الأوراق السياسية اختلطت على العديد من السياسيين الفلسطينيين وأصبحوا يتحدثون عن الاستقلال والسيادة الوطنية في ظل سلطة محدودة الصلاحيات والقدرات والإمكانات.

كما تحدث البعض منذ سنوات كثيرة ولا يزالون عن استقلال القرار الوطني الفلسطيني عن التدخلات الخارجية إقليمية ودولية وكأن القرار السياسي أو القرار الوطني لأي طرف في أي مكان لا يرتبط عضوياً وحيوياً أو حتى مصلحياً بالبيئة المباشرة وغير المباشرة للقرار.

في عام 1988 في الجزائر، على سبيل المثال لا الحصر، اتخذت منظمة التحرير الفلسطينية وتحديداً مجلسها الوطني في اجتماعه التاسع عشر قراراً سياسياً استراتيجياً بقبول دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وأعلن آنذاك الاستقلال الفلسطيني. كما أعلن الرئيس الراحل ياسر عرفات في جنيف مباشرة بعد إعلان الاستقلال عن نبذه العنف والإرهاب بكافة وسائله وأشكاله.

الأمر الذي مكن من بدء الحوار الفلسطيني ـ الأميركي في تونس بعد أن لبت منظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها الشروط الأميركية والإسرائيلية، هذا القرار التاريخي لمنظمة التحرير ورئيسها أتى بعد أن تيقنت المنظمة وقياداتها المختلفة أنه لم يعد ممكناً تحقيق حلم الدولة الفلسطينية الديمقراطية وهو الشعار الذي رفع بعد عام 1967 وكان يهدف إلى القبول بعيش مشترك للفلسطينيين والإسرائيليين في هذه الدولة الديمقراطية.

وعندما تيقنت الفصائل الفلسطينية وقياداتها المختلفة أن هكذا شعار لم يعد ممكناً لأسباب داخلية وإقليمية ودولية قدمت المنظمة التنازل التاريخي في الجزائر، هذا التنازل الكبير قبل بدء أية مفاوضات فلسطينية ـ إسرائيلية كان نتيجة ارتباط القرار الوطني الفلسطيني بالسياسات الإقليمية والدولية وليس كما كان يعلن على لسان قيادات المنظمة عن استقلالية القرار الوطني الفلسطيني.

هذا بينما كان هدف شعار القرار الفلسطيني المستقل، ولا يزال، يعني تحديداً رفض تدخل بعض الدول الإقليمية في الشأن الفلسطيني والقبول بتدخل دول إقليمية ودولية أخرى في صنع القرار، لأن منظمة التحرير قبل إعلان الاستقلال اختلفت كلية عنها بعد هذا الإعلان في تحالفاتها الاستراتيجية والسياسية وكان يتوجب عليها أن تغير آليات صياغة قراراتها وأهدافها.

إن ما جرى من أحداث دراماتيكية في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الأيام الماضية بين حركتي فتح وحماس والاتهامات المتبادلة حول تدخل قوى إقليمية ودولية في الشؤون الفلسطينية تمثل إنموذجاً جديداً عن حتمية التدخل الإقليمي والدولي في القرار الفلسطيني، ولا يمكن أن يدعي أي طرف فلسطيني بأنه صنع قراراته السياسية والميدانية بعيداً عن التدخلات الخارجية.

فالمشكلة بين فتح وحماس بدأت أساساً عندما طلبت واشنطن من الرئيس محمود عباس إجراء انتخابات تشريعية، وساعدت السلطة الفلسطينية في إقناع إسرائيل التي رفضت بشدة بالسماح للمقدسيين بالاشتراك في هذه الانتخابات وكانت النتيجة أن فازت حماس بأغلبية ساحقة في هذه الانتخابات، وبعد ذلك فرضت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي حصاراً مالياً واقتصادياً وسياسياً على الحكومة المنتخبة لرفض الأخيرة بقبول شروط الرباعية.

ونجحت بشكل كبير على عزلها دولياً وإقليمياً، الأمر الذي قاد إلى وضع كل الشعب الفلسطيني وقياداته المنتخبة تحت الحصار القاسي والظالم. هذا الحصار الذي لعب دوراً مباشراً في اندلاع الاشتباكات الفلسطينية ـ الفلسطينية وأحدثت شرخاً عميقاً في العلاقات الفتحاوية ـ الحمساوية الذين كانوا ويجب أن يبقوا شركاء الخندق الواحد والوطن الواحد والقرار الواحد نحو التحرير والاستقلال والسيادة.

ما نريد أن نقوله بوضوح انه لا يوجد هناك قرار مستقل وسيادي في كثير من دول العالم الثالث فكيف بوطن محتل كله كفلسطين أو كبعض من أجزائه كلبنان. إن الاستمرار في توجيه الاتهامات المتبادلة للأفرقاء الفلسطينيين واللبنانيين حول الانتماء والولاء لهذه الدولة أو تلك لن يقود إلى تحقيق ما يصبو إليه الشعبين الفلسطيني واللبناني ولن يقود إلى انتصار فريق على آخر.

إن أفضل ما يمكن أن تقوم به الزعامات الفلسطينية واللبنانية إذا أرادت السيادة والاستقلال وإن بشكل نسبي، لأن المطلق في هذا الأمر عبارة عن وهم وسراب، هو العودة إلى الحوار الجاد والصادق وأن يكون أول بند في الحوار هو الاتفاق على الدور الذي ستلعبه الأطراف الخارجية وانعكاساته وتداعياته على المصلحة الوطنية بعيداً عن الفئوية والمصالح الضيقة التي ثبت تاريخياً أنها لن تكون مجدية أو مفيدة لأحد.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com