عشية قمة شرم الشيخ الأخيرة، حرصت حكومة أولمرت على إشاعة أجواء توحي وكأن إسرائيل ليست متحمسة للمشاركة فيها فحسب؛ بل أيضاً انها ذاهبة بنية الإعلان عن تقديمات سخية (!) إلى الجانب الفلسطيني. بالنهاية تبيّن أن ما كان في جعبة أولمرت لم يتجاوز رزمة وعود ينطبق عليها قول «تمخض الجبل فولّد فأراً»، وعود من الباب الثاني جزئية وكلها من فصيلة الإفراج عن حقوق فلسطينية، حبستها إسرائيل بالعدوان والاحتلال؛ وتأتي الآن لتقدمها وكأنها عطاءات تكرمت بها على الشعب الفلسطيني!
الرئيس الفلسطيني دعا، خلال القمة إلى «البدء بمفاوضات سياسية جادة وفق إطار زمني متفق عليه بهدف إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس». وللتدليل على جدّيته أعلن بأن يديه «ممدودتان للشعب الإسرائيلي للعمل سوياً من أجل إرساء سلام عادل ودائم وشامل». وقد سبق هذا الكلام ـ المكرر بكل حال ـ عرض عربي مماثل صدر عن القمة العربية والذي صار يعرف بالمبادرة العربية.
في مقابل كل هذا الوضوح والشمول لم يصدر عن أولمرت أكثر من الإعراب عن استعداده للإفراج عن 250 أسيرا فلسطينيا ـ وبشروط ـ؛ ولفك الحجز عن قسم من الأموال الفلسطينية الموجودة بحوزة إسرائيل؛ مع الحديث من طرف اللسان عن إمكانية إعادة انتشار قوات الاحتلال في بعض مناطق ومدن الضفة!
قدم أولمرت هذه الخطوات على أنها إجراءات للبدء ببناء الثقة بين الفلسطينيين وإسرائيل، بذلك هو تحاشى الدخول في لبّ الموضوع وبالتالي أعفى نفسه من الالتزام بالعودة إلى التفاوض؛ ومن التجاوب بالتالي مع دعوة رئيس السلطة الفلسطينية. الالتفاف على الأصل والتهرب من مقتضيات ولوج بابه، كار قديم تتقنه إسرائيل ببراعة، وتمارسه إما عن طريق تراجعات شكلية، وإما من خلال اللجوء إلى خلق واقع عنيد على الأرض يكفل الإطاحة بالوعود ويطرح مشكلة جديدة يصبح تجاوزها شرطاً للعودة إلى الأساس، أي إلى المفاوضات.
عملية تدويخ اعتمدتها تل أبيب في السنوات الأخيرة، وكانت كفيلة بوضع «عملية السلام» على الرف؛ كل هذه المدة، وها هي اليوم تواصلها بحذافيرها؛ بالرغم من شمولية وشفافية عروض السلام الفلسطينية والعربية، المطروحة عليها، وحتى الوعود التي أعطاها أولمرت، على جزئيتها وثانويتها؛ ليس هناك ما يضمن ترجمتها، على الأقل في ضوء السوابق، فإسرائيل اعتادت على لحس وعودها والتنكر لها؛ مراراً وتكراراً.
وتراجعت مرات عن اتفاقيات هدنة تعمّدت كسرها لتأزيم الأوضاع ثم التذرع به للتنصل من التزاماتها، وتنكرت للعديد من الوعود التي أعطتها للسلطة الفلسطينية؛ سواء بخصوص المفاوضات أو الحصار والمضايقات والمعابر وغيرها، هي تعطي هذه الوعود للتهرب من البحث في الأهم، وتلجأ إليها كوسيلة تعفيها من مواجهة استحقاقات لا تتعامل معها إلا بالتأجيل والتملص، سِجلها يشهد بأن تعهداتها عملة لا تصرف، ولا يبدو أن هناك ما قد يجعلها مختلفة هذه المرة، كانت وباقية بضاعة مزيفة.
