يدرك رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي يعلن تنحيه عن منصبه اليوم، أكثر من غيره حجم مأساة الشعب الفلسطيني منذ الوعد المشؤوم بالفعل لمواطنه آرثر جيمس بلفور، فمنذ 90 عاماً بعث بلفور برسالته الشهيرة إلى اللورد روتشيلد يبلغه فيها "أن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين".
ولم يفت على بلفور أن يؤكد لروتشيلد أنه سيكون ممتناً إذا ما أحاط الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح.
من هنا تأتي أهمية أو إمكانية تعيين بلير مبعوثاً دائماً للجنة الرباعية التي اختتمت أعمالها أمس في القدس، التي تضم ممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا.
وما بين بلير وبلفور علاقة تتجاوز كونهما بريطانيين إلى ارتباطهما بما كان يسمى في السابق بالإمبريالية العالمية.
لكن الوضع الآن، قد اختلف كثيراً بحكم تشابك العلاقات الدولية من جهة، وبحكم الثقل العربي من جهة أخرى.
صحيح أن هذا الثقل - العربي - يزداد أحياناً، ويقل أحياناً أخرى، لكنه يظل في دائرة الاهتمام الغربي والأمريكي على الأقل بحكم طبيعة الشعوب التي لم ولن تنسى يوماً أن المسجد الأقصى أسير، وأن القدس مغتصبة.. يستوي في ذلك عامل المناجم في المغرب والمزارع البسيط في مصر، ورجل الأعمال في الخليج.
إن أمام بلير الآن، فرصة كبيرة لتحسين صورة بلاده المهتزة عربياً منذ وعد بلفور، والمشوشة تماماً منذ احتلال العراق وأفغانستان، وليس تحريرهما كما قيل أيام غزوهما.
لقد تحقق وعد بلفور في إقامة وطن قومي على أرض فلسطين، والغريب أن رسالة وزير الخارجية البريطاني عام 1917 كانت تنص بالفعل على أنها أرض فلسطين، فما الذي سيقوله بلفور بعد 90 عاماً؟
إن عربياً واحداً لا ينتظر من بلير أن يلغي وعد بلفور أو يقترب منه، لكن بصيصاً من الأمل ينتاب كثيرين في أن يسهم بلير في خروج الدولة الفلسطينية من رحم اللجنة الرباعية وعندها سيقدم لبلاده وللضمير العالمي كله خدمة كبرى تجعله يدخل التاريخ من بوابة الحق والإنصاف، لا من تلك التي دخل منها بلفور.. بوابة القهر والاستبداد.
