شكلت محنة قطاع غزة الأخيرة نكوصاً إلى الخلف في التجربة السياسية والميدانية لحركة حماس، بعد عامين من النجاح الجيد في اشتقاق المواقف التي انتقلت بالحركة نحو آفاق أرحب، وفتحت أمامها ميادين هامة من المواقع الدولية المؤثرة، فدخلت الكرملين من أوسع أبوابه وباتت الدروب أمامها شبه مفتوحة لعبور النادي الدولي باعتبارها قوة مسؤولة مقررة في المعادلة الفلسطينية.

كما شكلت محنة غزة، تراجعاً عن انجازات جيدة حققتها حركة حماس بعد توصلها مع حركة «فتح» إلى اتفاق مكة الأخير، وتشكيل الحكومة الفلسطينية الائتلافية بقيادة الأستاذ إسماعيل هنية، فكان الاتفاق على «علاته» نقطة تحول بارزة في مسار الحركة الإسلامية في فلسطين.

والتي تشكل حركة «حماس» عمادها الرئيسي، وذلك بعد الانعطافة النوعية التي تمت مع دخولها الإطار التشريعي الفلسطيني من أوسع الأبواب. ونقطة التحول سياسية بالدرجة الأولى، تعبر عن تطور موقف حركة حماس نحو المزاوجة بين الإيديولوجي والسياسي.

كما تعبر عن البراغماتية العالية التي باتت إلى حينه سمة من سمات الإسلام السياسي الفلسطيني بعد تجربة مديدة من العمل في قلب المتغيرات والتطورات التي عصفت بالمنطقة، وبعد فترات طويلة مازال فيه العقل السياسي الغربي والمنتديات الأكاديمية والإعلامية ينظر كل منهما إلى حركة حماس بمقاييس الريبة والشكوك.

والآن بات ما حصل في قطاع غزة يوفر مادة ثمينة بيد من يريد توجيه سهامه لحركة حماس ولمجمل العمل الوطني الفلسطيني وعدالته. ففي معظم السياقات الراهنة التي تناقش فيها أفكار وسياسة وبرنامج حركة حماس في الغرب، بخاصة بعد فوزها في الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 25/1/2006 تطرح نصوص من أدبيات وتصريحات بعض قادة حركة حماس يسلط الضوء فيها على الجوانب التي يراها الغرب باعتبارها تنم عن دعوات استئصالية وعدائية في المعادلة الفلسطينية الداخلية لكل الأفكار والبرامج المغايرة، ودعوات تكاد تحصر معركة الفلسطينيين من أجل تحرير أرضهم في قالب ديني معاد أصله وجذره وهدفه محاربة اليهود كيهود.

وربما أطاحت أحداث غزة بالنقلة السياسية «الحماسية» التي سبقت وتلت الانتخابات التشريعية وهي نقلة لم تكن بنت لحظتها، بل جاءت وليدة مخاض بدأ قبيل رحيل الرئيس ياسر عرفات، وما زالت مفاعيلها تتواصل مع الحراكات الداخلية التي بدأت ملامحها تظهر من خلال المرونة التي تبديها «حماس» مع التحرك السياسي الجاري.

وهي المرونة التي أوصلتها إلى قصر الكرملين في زيارتين رسميتين، ويخشى الآن أن يكون ما حصل في قطاع غزة قد أطاح بكل ما أنجزته الحركة من تحولات ايجابية أهلتها لدخول المعترك السياسي بالرغم من حملة الضغوط الأميركية الكبيرة والحملة الدولية التي قادتها واشنطن في حصار حكومة الوحدة الوطنية التي شكلها إسماعيل هنية.

في هذا السياق، فإن العديد من المؤشرات التي سبقت وتلت مأساة غزة، تذهب بنا إلى القول إن حركة «حماس» تشهد في المقابل تطوراً داخلياً له علاقة برؤية تيار قيادي مؤثر داخل الحركة بالنسبة لعلاقتها مع المركز القيادي لحركة «الإخوان المسلمين» في العاصمة الأردنية.

وهي الرؤية التي تقرر أن على الحركة الاستقلال التنظيمي التام عن المركز في عمان، الأمر الذي حدا بالبعض للربط بين هذا الحراك الحمساوي الداخلي وبين ما جرى في قطاع غزة، معتبراً أن الحركة عملت على تنفيذ «انقلاب سيطرة» على القطاع، معتبرة نفسها قوة السلطة الشرعية دون غيرها.

وفي هذا المجال قد تصح المعلومات التي نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية من القاهرة في 11/4/2007، عن مصدر قيادي في «الإخوان المسلمين» في الأردن يؤكد فيه أن «حماس» تقدمت بطلب الاستقلال التنظيمي عن «إخوان» الأردن، وعزا موقفها إلى «تمكنها من السلطة وشعورها بالقوة» وبإمكانية سيطرتها على القطاع.

في المقابل أشارت مصادر مختلفة إلى قول أحد قادة «حماس» إنّ «الحركة تمثل تنظيم الإخوان المسلمين في الأردن ومناطق الشتات الفلسطيني الباقية، وإنه آن الأوان لاستقلال الحركة التي باتت تملك كل شيء على الساحة الفلسطينية ومن باب أولى امتلاك القرار على الساحات الخارجية، معرباً عن استغرابه رفض الإخوان في الأردن لفكرة الفصل».

ومما لا شك فيه فإن مسعى «حماس» للانفصال التنظيمي عن المركز القيادي الاخواني في الأردن استولد خلافات حادة تركزت على توجيه انتقادات من قبل قادة في «الجماعة» ل«حماس» على خلفية توقيعها اتفاق مكة مع «فتح»، وهو ما أكده أمين عام جبهة العمل الإسلامي الأردنية زكي بني ارشيد.

وعليه فإن وفدي «الإخوان المسلمين» و«حماس» اللذين شاركا في مؤتمر القدس الخامس الذي انعقد أخيرا في الجزائر، لم يناقشا الخلافات التنظيمية بين الجانبين، لكنهما اختلفا حول الموقف من اتفاق مكة الذي وقعته «حماس» مع «فتح»، وربما تكون أحداث غزة قد وسعت أو ضيقت التباينات بينهما.

إن التحول المتسارع في علاقة «حماس» والمركز القيادي الاخواني في عمان لا يعني أنّ الأمور بين الطرفين سائرة نحو التأزم، فهناك تفهم لموقف «حماس» من قبل إطارات اخوانية عديدة في العالم العربي، خصوصاً من جانب قيادة «الإخوان المسلمين» في مصر، ومرد ذلك إدراك الجميع أن الحركة أمست الآن في وضع جديد مع جلوسها تحت قبة برلمان الداخل الفلسطيني بأكثرية مقررة، بالرغم من تعطل الاحتمالات التي تعاظمت قبل تطورات غزة المأساوية بشأن اندماج حماس داخل اطر وهيئات منظمة التحرير الفلسطينية.

وبالنتيجة، إن حركة حماس جانبت الاختبار النسبي في النجاح السياسي بعد الصعود الديمقراطي للجناح السياسي الإسلامي في فلسطين، وارتقائها إلى الموقع القيادي المتنفذ، الأمر الذي أعاد وضعها أمام اختبار قاس، في ظل تجارب عديدة لقوى إيديولوجية عربية مختلفة تم وأدها في مهدها، ولم تستطع أن تنطلق قاطرتها نحو اشتقاق تجربة جديدة ومغايرة للواقع القائم.

وبكل وضوح وشفافية، فان تيار الإسلام السياسي في فلسطين وقع في مطب كبير بعد ما حدث في قطاع غزة، بعد عام ونصف العام من جلوسه على محك القيادة المسؤولة لأول مرة بعد مشوار طويل قطعته الحركة الإسلامية في فلسطين والبلدان العربية، وهي جالسة على مقاعد المعارضة دون أن تحترق أصابعها بنيران السلطة باستحقاقاتها ومثالبها في عالم يموج بالمتغيرات.

وانطلاقاً من هذا المعطى، فان «حماس» مطالبة بمراجعة ما حصل في قطاع غزة، والتقدم بكل ندية إلى شركائها في العمل الفلسطيني لترميم الجرح والشرخ الكبير الذي وقع في القطاع، وإلا فان مصير حركة العمل السياسي الفلسطيني، بما فيها حركة الإسلام السياسي ستكون مغلقةً، وستصطدم بالجدار الدولي.

إن الإسلام السياسي في فلسطين أمام تجربة تتوقف عليها مآلات حركة الإسلام السياسي المعتدل في المنطقة العربية بأسرها لسنوات مقبلة، وفي هذا المقام فإن المزاوجة بين الإيديولوجي والسياسي وبين العمل الائتلافي وقبول الآخر في البيت الفلسطيني ضرورة لاغنى عنها ويترتب على «حماس» القبول بها قلباً وقالباً هي وغيرها من القوى الفلسطينية، على أساس البرنامج الائتلافي المشترك، كما في تطوير خطابها البراغماتي.

وختاماً، إن مصارحة حركة حماس وتوجيه النقد لها على ضوء ما حدث في قطاع غزة لا يعفي الآخرين من تبعات ما يجري الآن، ولا من مقدمات ما جرى، فالآخرون يتحملون المسؤولية في وصول الحالة الفلسطينية إلى ما وصلت إليه، ويترتب عليهم أيضاً العودة فوراً لنداء العقل، وتغليب التناقض الرئيسي مع الاحتلال على أي تباينات سياسية كانت في الصف الوطني الفلسطيني الواحد.

كاتب فلسطيني ـ دمشق