يبدو المشهد العالمي، والمنطقة العربية في قلبه، عصيا على الفهم والاستيعاب وفق ظواهره المرئية وما يشاهد منه على سطح الأحداث وتسلسلها.والصعوبة هنا لا تقتصر على الأشخاص العاديين، بل إن الكثيرين ممن يتصدون للكتابة ويحاولون ممارسة التحليل السياسي، لا يقدمون للقارئ أو المشاهد ما يشفي غليله ويصل به إلى نتائج واضحة ومقنعة.

لذلك لا بد من البحث عن وسيلة أخرى أو طريقة لفهم ما يجري على هذا المسرح الممتد بامتداد الكرة الأرضية، رغم تباين المشاهد واختلاف التفاصيل. فالنتيجة تبقى واحدة، وهي أننا أمام عرض مسرحي يبدو هزليا بامتياز، ومع ذلك يمكن تلمس التشابك والترابط بين خيوطه الكثيرة والمتنوعة، ما يعني أن هناك مؤلفا قديرا ومخرجا محترفا يقفان خلف هذا المسرح الكبير، وما يعرض على «أخشابه» من سيناريوهات مثيرة وديكور مشوق، لمن يهوى الإبهار وفن الرعب.

ومع أن تحديد المؤلف والمخرج يظل عرضة للاجتهادات والتخمينات في نظر البعض، إلا أن النص قديم ومعروف للكثيرين منذ قرن أو يزيد، بغض النظر عن مؤلفه الحقيقي أو من يقوم على إخراجه وتنفيذه. فقد ظهرت أول طبعة له بالروسية عام 1901، وطبع بعد ذلك بعدة لغات وكانت أول طبعة له بالعربية عام 1951، ترجمها عن الطبعة الانجليزية الخامسة الأديب محمد خليفة التونسي وقدم لها المفكر الكبير عباس محمود العقاد.

وما يهمنا ليس المؤلف ولا المخرج، وإنما مدى انطباق هذا النص على الواقع الراهن الذي تعانيه منطقتنا العربية، ويعانيه معها العالم أجمع، وإن تفاوتت النسب ودرجات المعاناة.ونترك للقارئ أن يطلع بنفسه على مقتطفات موجزة من هذا النص المسمى بروتوكولات حكماء صهيون ويقارنها بما يشهده على أرض الواقع في أي منطقة يشاء.

ففي البروتوكول الأول ورد بالنص: (يجب أن يلاحظ أن ذوي الطبائع الفاسدة من الناس أكثر عدداً من ذوي الطبائع النبيلة. وإذن خير النتائج في حكم العالم ما ينتزع بالعنف والإرهاب، لا بالمناقشات الأكاديمية).

وتمضي البروتوكولات في السياق ذاته، كما توضح بضع فقرات لا تتسع المساحة لأكثر منها، ونكتفي بعرضها كما هي.

ماذا كبح الوحوش المفترسة التي نسميها الناس عن الافتراس؟ وماذا حكمها حتى الآن؟ لقد خضعوا في الطور الأول من الحياة الاجتماعية للقوة الوحشية العمياء، ثم خضعوا للقانون، وما القانون في الحقيقة إلا هذه القوة ذاتها مقنعة فحسب. وهذا يقودنا إلى تقرير أن قانون الطبيعة هو: الحق يكمن في القوة.

يكفي أن يعطى الشعب الحكم الذاتي فترة وجيزة، لكي يصير هذا الشعب رعايا بلا تمييز، ومنذ تلك اللحظة تبدأ المنازعات والاختلافات التي سرعان ما تتفاقم، فتصير معارك اجتماعية، وتندلع النيران في الدول ويزول أثرها. وسواء أنهكت الدول الاضطرابات الداخلية أم أسلمتها الحروب الأهلية إلى عدو خارجي، فإنها في كلتا الحالتين تعدّ قد خربت نهائياً كل الخراب وستقع في قبضتنا.

إن حقنا يكمن في القوة. وكلمة «الحق» فكرة مجردة قائمة على غير أساس، فهي كلمة لا تدل على أكثر من اعطني ما أريد لتمكنني من أن أبرهن لك بهذا على أني أقوى منك. إن الغاية تبرر الوسيلة، وعلينا ـ ونحن نضع خططنا ـ ألا نلتفت إلى ما هو خير وأخلاقي بقدر ما نلتفت إلى ما هو ضروري ومفيد.

سنختار من بين العامة رؤساء إداريين ممن لهم ميول العبيد، ولن يكونوا مدربين على فن الحكم، ولذلك سيكون من اليسير أن يمسخوا قطع شطرنج ضمن لعبتنا.

لقد بذرنا الخلاف بين كل واحد وغيره، بنشر العصبيات الدينية والقبلية خلال عشرين قرناً. ومن هذا كله تتقرر حقيقة: هي أن أي حكومة منفردة لن تجد لها سنداً من جاراتها حين تدعوها إلى مساعدتها ضدنا، لأن كل واحدة منها ستظن أن أي عمل ضدنا هو نكبة على كيانها الذاتي.

يجب الحصول على احتكار مطلق للصناعة والتجارة، ليكون لرأس المال مجال حر، وهذا ما تسعى لاستكماله فعلاً يد خفية في جميع أنحاء العالم. تجريد الشعب من السلاح في هذه الأيام أعظم أهمية من دفعه إلى الحرب، وأهم من ذلك أن نستعمل العواطف المتأججة في أغراضنا بدلاً من إخمادها.

ما كان أبعد نظر حكمائنا القدماء حينما اخبرونا انه للوصول إلى غاية عظيمة حقاً يجب ألا نتوقف لحظة أمام الوسائل، وأن لا نعتد بعدد الضحايا الذين تجب التضحية بهم للوصول إلى هذه الغاية.

لقد عنينا عناية عظيمة بالحط من كرامة رجال الدين من (الأمميين) في أعين الناس ... سنقصر رجال الدين وتعاليمهم له على جانب صغير جداً من الحياة، وسيكون تأثيرهم وبيلاً على الناس حتى أن تعاليمهم سيكون لها أثر مناقض للأثر الذي جرت العادة بأن يكون لها.

وللقارئ أن يتصور، بعد هذه النماذج، ما يشاء مما يحفل به هذا النص من أفكار هدامة وتخطيط محكم لزعزعة العالم والهيمنة عليه!