الولايات المتحدة وبريطانيا تريدان الآن دفن جثة القتيلة، فعلى الجسد المسجى آثار واضحة تثبت جريمة القتل العمد.
القتيلة هي لجنة الأمم المتحدة للتفتيش عن أسلحة دمار شامل في العراق ـ تلك اللجنة التي كانت أولى ضحايا الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على عراق صدام في 20 مارس 2003.لمدى الشهور القلائل السابقة على وقوع الغزو كانت إدارة بوش في سباق مع الزمن لتنفيذ خطة العدوان قبل أن يتمكن رئيس اللجنة الدولية للتفتيش من الإدلاء بشهادته النهائية أمام مجلس الأمن الدولي.
كانت الإدارة الأميركية المستعجلة لضرب العراق تدرك أولا ان اللجنة الدولية باتت حينئذ على وشك الفروغ من انجاز مهمتها وبالتالي تقديم تقريرها الختامي، وتدرك ثانيا ان الخلاصة النهائية لهذا التقرير هي خلو الأراضي العراقية من أسلحة نووية أو كيماوية أو جرثومية أو أي صنف آخر من صنوف أسلحة الدمار الشامل.
بكلمات أخرى.. لو تريثت إدارة بوش إلى أن يتقدم رئيس اللجنة الدولية هانز بليكس بشهادة نهائية تبرئ عراق صدام من تهمة الاحتفاظ بأسلحة دمار شامل جاهزة للتشغيل كما كان يدعي الرئيس الأميركي، لسقط على الفور التبرير الأميركي لشن هجوم على العراق، من هنا كان التحرك الأميركي لاجهاض مهمة لجنة بليكس قبل أن تستكمل المهمة. فعندما جرى شن الغزو في 20 مارس 2003 كان بليكس وأعضاء اللجنة الدولية منهمكين في إعداد التقرير النهائي.
كان لابد من سرد هذه الخلفية لندرك مغزى مشروع القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة وبريطانيا خلال هذا الاسبوع إلى مجلس الأمن الدولي لوضع نهاية رسمية لمهمة لجنة التفتيش الدولية، فبالرغم من ان الغزو الأميركي للعراق مضى عليه أكثر من أربع سنوات وتحول إلى حالة احتلالية إلا أن ملف لجنة التفتيش الدولية بقي مفتوحا. ذلك انه من الناحية الفنية لا يتسنى اغلاق الملف إلا بعد ان يضاف الى محتوياته تقرير ختامي.
والآن فإن ما تهدف إليه واشنطن ولندن من وراء مشروع القرار المقترح هو ان يستخدم مجلس الامن الدولي سلطته العليا لاغلاق الملف دون ان يحوي شهادة رسمية دامغة بأن الولايات المتحدة ارتكبت جريمة بحق القانون الدولي ـ أي دفن جثة القتيلة دون شهادة وفاة. والقتيلة في هذه الحالة هي لجنة بليكس.
وكما نستذكر فإن إدارة بوش اتخذت قرار الحرب ونفذته دون موافقة من مجلس الأمن الدولي.. ومن وراء ظهره ونستذكر ايضا ان وزير الخارجية الأميركي السابق كولين باول خاطب مجلس الأمن الدولي خلال الأيام الأخيرة السابقة على شن الهجوم الأميركي وفي معيته مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جورج تينيت في مسعى أخير «ليثبت» للهيئة الدولية «امتلاك» العراق اسلحة دمار شامل لكنه فشل في اقناع المجلس لاستصدار قرار منه بمشروعية شن حرب على العراق، فقد كان عرضه واهنا مهلهل النسج.
الآن ومن خلال مشروع القرار المقدم تريد الولايات المتحدة «ومن ورائها بريطانيا» لمجلس الأمن الدولي ان يكون شاهد زور.ولو توخى مجلس الآن الدولي الانصاف القانوني فإن عليه أولا أن يطلب من رئيس لجنة التفتيش الدولية موافاة المجلس بشهادة ختامية تبرئ عراق صدام لتكون اساسا لمحاسبة الولايات المتحدة لشن حرب عدوانية بناء على معلومة ملفقة.